باسم سلامة القليطي
في تفاصيل يومنا العادي، حيث تتزاحم المهام وتتلاحق المسؤوليات، لا يعيش الإنسان حالة شعورية واحدة، بل يتحرك داخله طيف واسع من الإحساس؛ شيء من القلق هنا، ولمحة من الحزن هناك، ونوبة غضب عابرة، وربما ظِل خفيف من الكآبة يمرّ مرور الغيم. لسنا آلات تُبرمج على نمط واحد، بل نحن بشر نحمل داخلنا عالما كاملا من الانفعالات. ومع كل هذا التزاحم، نحاول أن نبدو متماسكين، نرتب أولوياتنا، ننجز أعمالنا، ونُقنع أنفسنا أن كل شيء تحت السيطرة، بينما الحقيقة أن المعركة الحقيقية تدور في الداخل، في تلك المساحة الصامتة التي لا يراها أحد.
ومع كل هذا التقلّب، لا يقف الإنسان عاجزا، بل يخوض معركته اليومية بأدوات بسيطة وعميقة في آنٍ واحد. حين يزوره القلق، يهرع إلى الاستغفار والتسبيح، وكأن الكلمات تلتف حول قلبه لتعيد له شيئا من السكون. وحين يُثقل عليه الحزن، يفتح القرآن بحثا عن الطمأنينة التي تسكن بين السطور. وإذا هاج الغضب، يستعيذ بالله تعالى ويحاول أن يتمسك بالحِلم ولو كان ذلك شاقا. أما حين تزوره سحابة الكآبة، فإنه يلوذ بالصلاة والدعاء والتوكل، كمن يستظلّ بمظلة إيمان في وجه مطرٍ داخلي لا يُرى. هي محاولات قد تبدو متكررة، لكنها في حقيقتها خطوط نجاة تُبقي الإنسان واقفا.
ورغم كل هذه الوسائل، يبقى الإنسان بعيدا عن السلام الكامل، وهذه ليست خسارة بل حقيقة ينبغي فهمها. فالحياة بطبيعتها لا تمنح صفاءً دائما، بل تقدّم مزيجا متناقضا من التجارب. وقد لخّص هذه الفكرة بعمق الدكتور (عبدالكريم بكار) بقوله: «لكل شيء نملكه في هذه الحياة إيجابيات وسلبيات، له وجهه المشرق ووجهه الكالح، ونحن الذين نرى الوجهين معا، أو نرى الوجه الذي نختاره، وسيكون من مصلحتنا دائما، حين لا يكون أمامنا أي حل، أن نرى الوجه المشرق، لأنه آنذاك يكون هو الحل». هذه النظرة لا تُلغي الواقع، لكنها تمنح الإنسان زاوية يرى منها ما يُعينه على الاستمرار.
ومن الأخطاء التي تستنزف الإنسان أن يظن أن النجاة تكمن في القضاء التام على الأفكار السلبية، أو في الوصول إلى حالة مثالية من الإيجابية الدائمة. بينما الحكمة أعمق من ذلك، وقد عبّر عنها المثل الصيني بوضوح حين قال: «إنك لا تستطيع أن تمنع طيور الهموم من التحليق فوق رأسك، ولكنك تستطيع أن تمنعها من أن تعشش في شعرك».
فالأفكار المزعجة جزء من التجربة الإنسانية، لكنها لا تصبح خطرا إلا حين نسمح لها بالاستقرار. هنا يتجلى الوعي الحقيقي؛ ليس في طرد المشاعر، بل في تنظيم حضورها، وتحديد المساحة التي تستحقها داخلنا.
وفي خِضم هذا الصراع الهادئ، يحتاج الإنسان إلى أن يتعامل مع نفسه بلطف أكبر، وأن يدرك أن تقلبه لا يعني ضعفه، بل يؤكد إنسانيته. فكل محاولة للمقاومة، مهما بدت صغيرة، هي خطوة نحو الاتزان. وقد أشار الأديب (أحمد أمين) إلى هذا المعنى بقوله: «ليس المبتسمون للحياة أسعدُ حالا لأنفسهم فقط، بل هم كذلك أقدرُ على العمل، وأكثرُ احتمالا للمسؤولية، وأصلحُ لمواجهة الشدائد ومعالجة الصِعاب، والإتيان بعظائم الأمور التي تنفعهم وتنفع الناس». فالابتسامة هنا ليست تجاهلا للألم، بل اختيار واعٍ لكيفية مواجهته.
في الختام، لن يصل الإنسان إلى سلامٍ كامل، ولن يخلو طريقه من المنغّصات، لكن يمكنه أن يتعلم كيف يعيش بوعي أكبر. أن يتنقل بين مشاعره دون أن يفقد نفسه، وأن يستخدم ما يملكه من إيمان وفهم ليحافظ على توازنه. ومع كل عُسر هناك يُسْر يتشكل في الخفاء، ومع كل ضيق فسحة تنتظر من يراها. ليست القوة في أن نتخلص من مشاعرنا، بل في أن نُحسن إدارتها، وأن نختار – في كل مرة – الوجه الذي يمنحنا القدرة على المضي، حتى وإن كانت الطريق مزدحمة، وحتى وإن لم تهدأ تماما.
في تفاصيل يومنا العادي، حيث تتزاحم المهام وتتلاحق المسؤوليات، لا يعيش الإنسان حالة شعورية واحدة، بل يتحرك داخله طيف واسع من الإحساس؛ شيء من القلق هنا، ولمحة من الحزن هناك، ونوبة غضب عابرة، وربما ظِل خفيف من الكآبة يمرّ مرور الغيم. لسنا آلات تُبرمج على نمط واحد، بل نحن بشر نحمل داخلنا عالما كاملا من الانفعالات. ومع كل هذا التزاحم، نحاول أن نبدو متماسكين، نرتب أولوياتنا، ننجز أعمالنا، ونُقنع أنفسنا أن كل شيء تحت السيطرة، بينما الحقيقة أن المعركة الحقيقية تدور في الداخل، في تلك المساحة الصامتة التي لا يراها أحد.
ومع كل هذا التقلّب، لا يقف الإنسان عاجزا، بل يخوض معركته اليومية بأدوات بسيطة وعميقة في آنٍ واحد. حين يزوره القلق، يهرع إلى الاستغفار والتسبيح، وكأن الكلمات تلتف حول قلبه لتعيد له شيئا من السكون. وحين يُثقل عليه الحزن، يفتح القرآن بحثا عن الطمأنينة التي تسكن بين السطور. وإذا هاج الغضب، يستعيذ بالله تعالى ويحاول أن يتمسك بالحِلم ولو كان ذلك شاقا. أما حين تزوره سحابة الكآبة، فإنه يلوذ بالصلاة والدعاء والتوكل، كمن يستظلّ بمظلة إيمان في وجه مطرٍ داخلي لا يُرى. هي محاولات قد تبدو متكررة، لكنها في حقيقتها خطوط نجاة تُبقي الإنسان واقفا.
ورغم كل هذه الوسائل، يبقى الإنسان بعيدا عن السلام الكامل، وهذه ليست خسارة بل حقيقة ينبغي فهمها. فالحياة بطبيعتها لا تمنح صفاءً دائما، بل تقدّم مزيجا متناقضا من التجارب. وقد لخّص هذه الفكرة بعمق الدكتور (عبدالكريم بكار) بقوله: «لكل شيء نملكه في هذه الحياة إيجابيات وسلبيات، له وجهه المشرق ووجهه الكالح، ونحن الذين نرى الوجهين معا، أو نرى الوجه الذي نختاره، وسيكون من مصلحتنا دائما، حين لا يكون أمامنا أي حل، أن نرى الوجه المشرق، لأنه آنذاك يكون هو الحل». هذه النظرة لا تُلغي الواقع، لكنها تمنح الإنسان زاوية يرى منها ما يُعينه على الاستمرار.
ومن الأخطاء التي تستنزف الإنسان أن يظن أن النجاة تكمن في القضاء التام على الأفكار السلبية، أو في الوصول إلى حالة مثالية من الإيجابية الدائمة. بينما الحكمة أعمق من ذلك، وقد عبّر عنها المثل الصيني بوضوح حين قال: «إنك لا تستطيع أن تمنع طيور الهموم من التحليق فوق رأسك، ولكنك تستطيع أن تمنعها من أن تعشش في شعرك».
فالأفكار المزعجة جزء من التجربة الإنسانية، لكنها لا تصبح خطرا إلا حين نسمح لها بالاستقرار. هنا يتجلى الوعي الحقيقي؛ ليس في طرد المشاعر، بل في تنظيم حضورها، وتحديد المساحة التي تستحقها داخلنا.
وفي خِضم هذا الصراع الهادئ، يحتاج الإنسان إلى أن يتعامل مع نفسه بلطف أكبر، وأن يدرك أن تقلبه لا يعني ضعفه، بل يؤكد إنسانيته. فكل محاولة للمقاومة، مهما بدت صغيرة، هي خطوة نحو الاتزان. وقد أشار الأديب (أحمد أمين) إلى هذا المعنى بقوله: «ليس المبتسمون للحياة أسعدُ حالا لأنفسهم فقط، بل هم كذلك أقدرُ على العمل، وأكثرُ احتمالا للمسؤولية، وأصلحُ لمواجهة الشدائد ومعالجة الصِعاب، والإتيان بعظائم الأمور التي تنفعهم وتنفع الناس». فالابتسامة هنا ليست تجاهلا للألم، بل اختيار واعٍ لكيفية مواجهته.
في الختام، لن يصل الإنسان إلى سلامٍ كامل، ولن يخلو طريقه من المنغّصات، لكن يمكنه أن يتعلم كيف يعيش بوعي أكبر. أن يتنقل بين مشاعره دون أن يفقد نفسه، وأن يستخدم ما يملكه من إيمان وفهم ليحافظ على توازنه. ومع كل عُسر هناك يُسْر يتشكل في الخفاء، ومع كل ضيق فسحة تنتظر من يراها. ليست القوة في أن نتخلص من مشاعرنا، بل في أن نُحسن إدارتها، وأن نختار -في كل مرة- الوجه الذي يمنحنا القدرة على المضي، حتى وإن كانت الطريق مزدحمة، وحتى وإن لم تهدأ تماما.