ميس رضا
في عالمٍ باتت فيه الصورة تهيمن على تفاصيل الحياة، لم تعد مجرد وسيلة توثيق، بل أصبحت توقيعًا رسميًا لكل لحظة نعيشها في حياتنا اليومية بداية من فنجان القهوة الذي نحتسيه ونشاركه مع الآخرين ومن الأماكن التي نزورها، إلى إنجازاتنا اليومية، وحتى أدق تفاصيل روتيننا إلى أن تحوّل كل شيء إلى مادة قابلة للعرض والمشاركة.
ولم يعد السرد حكراً على الكلمات، بل أصبحت الصور هي اللغة الأكثر انتشارًا، تنقل يوميات الأشخاص وتُعيد صياغة واقعهم أمام الآخرين حتى وإن كانت مغايرة لواقعهم الحقيقي، ومع هذا التدفق المستمر، تراجعت المساحات الخاصة وأصبحت الخصوصية خيارًا نادرًا أكثر من كونها حقًا بديهيًا، فكل نجاح مهما كان بسيطًا يُروى ويُعرض، وأحيانًا يُعاد تشكيله ليتناسب مع ما يلفت الانتباه ويجذب التفاعل وبين ما نعيشه فعلًا وما نُظهره تتشكَّل فجوة صامتة تجعل من الحياة أشبه بسردٍ متواصلٍ لنسخة مُنتقاة من الواقع.
والحقيقة أن النجاحات ليست كلها متشابهة ولا تُقاس دائمًا بما يراه الناس، هناك نوعان يبدوان متوازيين لكنهما مختلفان في الجوهر وهما، نجاحات مرئية تُعرض أمام الجميع، ونجاحات خفية تتشكَّل في صمت، بعيدًا عن الأضواء.
النجاحات المرئية هي تلك التي يلاحظها الآخرون بسهولة؛ إنجازات مهنية، شهادات، مشاريع ناجحة، أو حضور لافت على المنصات الاجتماعية هذا النوع من النجاح يمنح صاحبه شعورًا فوريًا بالتقدير، ويغذِّي حاجته الطبيعية للاعتراف، ولا يمكن إنكار أن الدعم والإعجاب لهما أثر إيجابي على الحالة النفسية وإلا ما كانت الكلمة الطيبة صدقة في مضمونها، وقد يشكِّلان دافعًا للاستمرار والتطور.
لكن، في المقابل، هناك نجاحات أعمق لا تُنشر ولا تُعلن هي النجاحات التي تحدث في الخفاء، بأن تحافظ على ضميرك حيًا في مواقف صعبة وأن تدير وقتك بانضباط حين لا يراقبك أحد، أن تقاوم الكسل أو الإحباط وأن تستمر في التعلُّم دون تصفيق، وأن تختار الصواب حتى عندما يكون الطريق الأسهل هو الخطأ، هذه الإنجازات لا تحصد «إعجابات»، لكنها تبني إنسانًا متماسكًا من الداخل ليس هشاً تذروه وتهزه الانتقادات.
الفرق الجوهري بين النوعين أن النجاح المرئي قد يكون لحظة، أما النجاح الخفي فهو مسار، الأول قد يتأثر برأي الآخرين، بينما الثاني يعتمد على معيار داخلي ثابت.
النجاح الخفي هو الذي يصنع القاعدة الصلبة التي تقوم عليها أي إنجازات ظاهرة لاحقًا هو بناء الداخل بعمق وصولاً للصورة الخارجية التي نظهر بها للناس،
وفي النهاية، لا تعارض بين النوعين، بل أقول إنه تكامل فالنجاحات المرئية تمنحنا الدافع والاعتراف، بينما النجاحات الخفية تمنحنا القيمة والاستمرارية غير أن التحدي الحقيقي هو ألا ننشغل بما يظهر على السطح ونُهمل ما يُبنى في العمق، لأن ما لا يراه الناس اليوم، هو غالبًا ما يصنع ما سيُدهشهم غدًا.
** **
- سفيرة الإيسيسكو للسلام