حسن بن مريّع
إن الفرح قرار شجاع حينما نتخذه كمنهج حياة لنطرد الهموم ونغلق الأبواب في وجه الحزن الذي لا يريد لنا الخير. قد نتساءل كثيراً لماذا ننقبض حين نضحك من قلوبنا؛ فكثيراً ما نجد أنفسنا نكرر ذلك التصرف المعتاد حين نقطع ضحكتنا فجأة لنمسح وجوهنا ونقول بخوف اللهم اجعله خيراً وكأننا ننتظر كارثة تتبع هذه البهجة العفوية.
هذا الشعور الغريب يسمى في علم النفس شيروفوبيا؛ وهو عطل فكري يوهمنا أن الضحك لابد أن يعقبه بكاء. وهذا ربط وهمي لا أساس له في الواقع، بل هو مجرد وسواس يحرمنا من جمال اللحظة ويجعلنا نعيش في ترقب دائم للأحزان التي قد لا تأتي أبداً.
في حين أن الحقيقة العلمية تخبرنا أن الضحك دواء مجاني وهبة ربانية تفرز هرمونات السعادة كالدوبامين والأندروفين في أجسادنا. هذه المواد العجيبة تقوي مناعتنا وتسكّن آلامنا وتجعل عقولنا أكثر صفاء وقدرة على التفكير المبدع؛ ولا ضير في ان البكاء هو ايضاً صمام أمان يغسل توترنا ويريح أعصابنا المرهقة من ضغوط الحياة. كلاهما ضروري لتوازننا النفسي ولا يغني أحدهما عن الآخر. وبهذا المفهوم أن علينا ألا نحرم أنفسنا من الضحك خوفاً من البكاء، ولا نكبت مشاعرنا حين نحتاج للتفريغ.
إن احتفالنا بنجاحنا أو تخرج أبنائنا، أو شراء منزل جديد، أو أي إنجاز بسيط، أو ذكرى جميلة لا تحتاج لإذن خاص أو نص يسمح لنا به؛ بل هو أمر يحبه الله لأنه هو جذر الشكر والامتنان.
لقد طبق بعض علمائنا الكبار ذلك بجمال كبير؛ فالعالم الجليل ابن حجر العسقلاني أقام وليمة كبرى فرحاً بانتهاء كتابه فتح الباري؛ ليعلمنا أن الإنجاز الكبير يستحق الاحتفاء الكبير. وأن الفرح بنعم الله هو أعلى درجات الشكر والتقدير للمنعم؛ ولذا يجب أن يكون شعارنا دائماً هو قول الله {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ}. والسر الكبير الذي نعيش به هو الاحتفال بالانتصارات الصغيرة والمستمرة. نحن لا ننتظر المنجزات الضخمة فقط لنبتهج؛ بل نفرح لأننا استيقظنا بنشاط أو شربنا كمية كافية من الماء أو رتبنا غرفنا بإتقان أو قرأنا صفحة من كتاب نافع. هذه الخطوات البسيطة تفرز في أدمغتنا مكافأة تمنحنا الوقود لنكمل طريقنا الطويل دون أن نصاب باليأس أو الاحتراق النفسي. وهذا ما يسمى باستراتيجية تنمية الفرح؛ وهي تدريب عقولنا على تتبع لحظات الجمال وتوثيقها في ذاكرتنا لتكون رصيداً لنا في أوقات الشدة.
واليوم نرى الفرح يتحول من مجرد شعور شخصي إلى مشروع وطني ضخم نعيشه في برنامج جودة الحياة ضمن رؤية المملكة 2030. فما نراه من ملايين الأشجار ومئات الحدائق وتطوير المدن لتصبح صديقة للمشاة وأكثر قرباً من الإنسان ليس مجرد زينة؛ بل هي هندسة حقيقية للبهجة تهدف لبناء مجتمع حيوي ومحصن ضد الاكتئاب والعزلة. إن توفير خيارات متنوعة للترفيه والثقافة هو استثمار حقيقي في صحتنا النفسية ليصبح الفرح والسرور جزءاً أصيلاً من أسلوب حياتنا اليومي الذي نفخر به.
علينا أن نتذكر دائماً أن سعادتنا تبدأ بتقديرنا لذواتنا وإيماننا بأننا نستحق الجمال والراحة. نبدأ يومنا بامتنان لنعم بسيطة ونبتسم في وجه من نقابل؛ فالفرح معدي والمؤمن المستبشر هو بمثابة مصعد يرفع من حوله نحو التفاؤل والرضا. لا نسمح لوساوس الشيطان أن تظلم حياتنا أو تسرق منا لحظات الصفاء؛ ونوسع دائرة احتفالنا بكل ما هو جميل وطيب؛ فكل لحظة تمر من أعمارنا هي منحة غالية من الله تستحق منا الابتسام والاحتفاء.