صالح الشادي
قبل أكثر من ثلاثة عقود، وفي فترة انتمائي إلى السلك التعليمي، أُسندت إليّ مهمة تدريس مادة «أوروبا المعاصرة» لطلبة كانت معرفتهم منصبةً على التاريخ العربي والإسلامي. كانت المادة جديدة عليهم، بل غريبة في مضامينها، والمنهج المقرر - وإن كان دقيقاً - يغلب عليه الطابع التاريخي الجاف، الممتلئ بالتفاصيل التي قد تثقل على متلقٍ في ذلك العمر الممتلئ بالخيال والعاطفة.
أثناء تناولي لشخصية نابليون بونابرت، لم أقتصر على سرد معاركه وسيرته السياسية، بل أضفت من خارج المنهج ما يضيء الجانب الإنساني في شخصيته. تحدثت عن علاقته بزوجته جوزفين، وعن مراسلاتهما، وعن بدايات ارتباطهما ونهاياته. كانت تلك الإضافة بمثابة نافذة يُطل منها الطالب على التاريخ من زاوية مختلفة.
ولم تقتصر محاولات تقريب المادة على المحتوى فقط، بل تعدته إلى بيئة التعلم نفسها. ففي أوقات البرد، كنت أستأذن الإدارة لأخرج بالطلبة إلى خارج القاعة، ونتحدث تحت ضوء الشمس حيث الدفء. وفي الصيف، كنا نخرج لاستنشاق الهواء الطبيعي. كان الهدف توفير مناخ ينفتح فيه الذهن، وتستريح فيه النفس، بعيداً عن جمود القاعات.
ومضى العام الدراسي. وفي الامتحانات، سألت الطلبة سؤالاً يتعلق بنابليون. ولم يكن مفاجئاً لي أن تتضمن إجاباتهم تفاصيل وافية عن علاقته بجوزفين، مع دقة في استحضار التفاصيل التي لم ترد في المنهج الرسمي. كان الأمر ملفتاً حقاً: كيف تعلقت هذه التفاصيل بذاكرتهم بهذا الوضوح؟
في تلك الفترة، ترسخت لدي قناعة راسخة: التعليم الحقيقي المباشر لا يؤتي ثماره إلا بامتزاج الجانب المعرفي بشيء من العاطفة والقرب والمصاحبة. الطالب لا يريد حشواً جامداً، بل يريد أن تصل إليه المعلومة بإقناع، وأن يتعلم كيف يفكر ويستنتج ويحلل. الهدف النهائي هو أن يصبح إنساناً ممتلئاً بالوعي، قادراً على فهم الحياة والتعامل معها. لسنا في حاجة إلى ذاكرة مخزنة فحسب، بل إلى وعي يسهم في البناء داخل الأسرة وفي الوطن.
وما زادني يقيناً بذلك أني كلما التقي اليوم -بالصدفة- ببعض أولئك الطلبة، وأراهم في مواقعهم المتنوعة: مهندساً، طبيباً، ضابطاً، تاجراً، فإن الأجمل في اللقاء أنهم يذكرونني بتفاصيل قد نسيتها، ويؤكدون لي أن تلك التفاصيل -الصباحات الباردة، والشمس الدافئة، وقصة جوزفين- كانت محفزاً لهم، وبقيت أثراً لا يُمحى.
هذه تجربة بسيطة، لكنني أوردتها للفائدة، شهادةً على أن أثمن ما يتركه المعلم في تلاميذه ليس ما حشاه في عقولهم، بل ما زرعه في قلوبهم من حب للمعرفة، وفتحه في نفوسهم من نوافذ على الحياة.