د.عيد بن حجيج الفايدي
انتشر في الآونة الأخيرة، عبر منصات التواصل الاجتماعي وفي الصحف المحلية، خبر إيقاف برامج اللغة العربية، والتاريخ، والجغرافيا، وعلم الاجتماع في كلية الآداب بجامعة الملك سعود. وهذا الخبر لا يمكن قراءته بوصفه إجراءً إداريًا عابرًا داخل الجامعة، بل هو -في جوهره- تحولٌ إستراتيجي عميق في العلاقة بين الجامعة والمجتمع، يستدعي وقفة تحليلية؛ إذ يحمل في طياته آثارًا بعيدة المدى تتجاوز حدود المؤسسة الأكاديمية، لتطول بنية الهوية الوطنية، والأمن الفكري، والقدرة الحضارية على الاستمرار.
إن جوهر هذا التوجه يتمثل في إعادة تعريف وظيفة الجامعة ضمن إطار ضيق يُختزل في «تأمين الوظيفة»، وهو ما يعكس انتقالًا بنيويًا من نموذج بناء الإنسان إلى نموذج إنتاج المورد البشري. ومن منظور إستراتيجي، فإن هذا التحول لا يغيّر طبيعة التعلم والتعليم فحسب، بل يعيد تشكيل العلاقة بين التعليم والاقتصاد؛ بحيث تصبح الجامعة تابعةً لتقلبات السوق بدل أن تكون موجِّهة له. وفي هذا السياق، يفقد التعليم العالي استقلاله المعرفي، ويتحوّل إلى أداة قصيرة المدى تخدم احتياجات آنية، دون امتلاك القدرة على استشراف المستقبل أو معالجة الإشكالات العميقة في المجتمع.
وتاريخيًا، لم تكن الجامعة مجرد مؤسسة تدريب مهني، بل كانت -ولا تزال- مركزًا لإنتاج الوعي وصياغة الرؤية الحضارية. ومن هنا، فإن إيقاف برامج العلوم الإنسانية لا يعني فقط إلغاء تخصصات، بل يعني عمليًا تفكيك أدوات الفهم العميق للإنسان والمجتمع؛ فالتاريخ يوفّر الذاكرة الإستراتيجية التي تُرشد القرار، واللغة تصون الهوية وتُشكّل أنماط التفكير، والجغرافيا تحدد موقع الدولة في معادلات القوة، وعلم الاجتماع يفسر ديناميات التحول والاستقرار. وغياب هذه الأدوات لا يؤدي إلى فراغ معرفي فحسب، بل يُنتج هشاشة في اتخاذ القرار، حيث تصبح السياسات معزولة عن سياقها الثقافي والتاريخي.
ومن زاوية الأمن الوطني، فإن هذا التوجه يفتح فجوة بنيوية يصعب تداركها؛ فالمجتمعات لا تُهدَّد عسكريًا أو اقتصاديًا فقط، بل تُهدَّد أيضًا فكريًا وثقافيًا. وحين يتراجع حضور العلوم الإنسانية، يتراجع معه الوعي النقدي، وتضعف قدرة المجتمع على مقاومة الخطابات المتطرفة أو المضللة. فالمجتمعات التي لا تمتلك أدوات تحليل ذاتها تصبح أكثر قابلية لإعادة تشكيلها من الخارج؛ وهو ما يجعل إلغاء هذه التخصصات قرارًا ذا أبعاد مباشرة تتصل بمفهوم الأمن الفكري والثقافي.
.... اقتصاديًا، قد يبدو هذا التوجه منطقيًا على المدى القصير، لكنه يحمل تناقضًا إستراتيجيًا داخليًا. فاقتصاد المعرفة الحديث لا يقوم على المهارات التقنية وحدها، بل على الإبداع، والابتكار، والقدرة على التفكير النقدي - وهي جميعًا مهارات تُغذّيها العلوم الإنسانية بصورة أساسية. إن الاقتصار على إعداد متخصصين... تقنيين دون بناء عقل تحليلي شامل، يقود إلى اقتصادٍ تابع؛ قادر على التنفيذ، لا على الابتكار، وعلى الاستهلاك، لا على الإنتاج المعرفي.
أما على مستوى الهوية، فإن إلغاء اللغة العربية تحديدًا لا يُعدّ مجرد خيار أكاديمي، بل يمثل قطعًا مع الوعاء الثقافي الذي تتشكل فيه الرؤية الجماعية. فاللغة ليست أداة تواصل فحسب، بل هي نظام تفكير ومرآة للوعي؛ ومع تراجعها، يتراجع العمق والبعد الحضاري، وتُفتح الأبواب أمام نماذج ثقافية بديلة قد لا تنسجم مع خصوصية المجتمع.
إن الجامعة، في جوهرها، ليست مؤسسة لتلبية الطلب فقط، بل لصناعة معرفة شاملة. ووظيفتها الحقيقية هي تحقيق التوازن بين متطلبات السوق وضرورات الهوية. وحين يُختل هذا التوازن، يتحول التعليم من قوة ناعمة إلى نقطة ضعف بنيوية؛ لأن التنمية ليست أرقامًا مجردة، بل وعيٌ قادر على إنتاج هذه الأرقام واستدامتها.
وعلى النقيض من هذا المسار، تتبنى جامعات عالمية مرموقة نموذجًا تعليميًا يهدف إلى بناء «الإنسان» قبل «المتخصص»، حيث يُلزم طلاب الطب والهندسة بدراسة مجالات إنسانية كالفلسفة، والأدب، والتاريخ، والاقتصاد؛ لتنمية التفكير الأخلاقي، وتعزيز مهارات التواصل، وتوسيع الأفق المعرفي. وهم يدركون أن الابتكار الحقيقي ينشأ عند تقاطع التخصصات، وأن المهندس الذي يدرس التاريخ أو الفنون يمتلك خيالًا أوسع، وقدرة أكبر على الربط بين التقنية والمعنى. كما تمنح هذه الخلفية الإنسانية الخريج مرونة ذهنية في سوق متغير، فيصبح قائدًا برؤية شمولية، لا مجرد منفّذ تقني. وفي هذا السياق، تصحّ المقولة العميقة: «الطبيب الذي لا يعرف إلا الطب، لا يعرف الطب حق المعرفة».
وإذا نظرت لكلمة «جامعة» من الناحية اللغوية -عربيًا وإنجليزيًا- تجد أن كلمة University، المشتقة من اللاتينية Universitas، لا تعني مجرد مكان للدراسة، بل تعني «الكل» و»الشمول». فقد كانت تشير تاريخيًا إلى مجتمع معرفي متكامل من المعلمين والطلاب، يسعون إلى الحقيقة في مختلف مجالاتها. ومن هنا، فإن جوهر الجامعة يكمن في كونها وعاءً جامعًا لكل العلوم: الإنسانية، والطبية، والتقنية. والتركيز على جانب واحد منها لا يمثل مجرد اختيار أكاديمي، بل يُعد -لغويًا واصطلاحيًا- تجريدًا للجامعة من معناها الحقيقي، وتحويلها من فضاء شامل إلى كيان جزئي أقرب إلى «معهد» أو «مركز تدريب».
وفي المحصلة، فإن ايقاف برامج العلوم الإنسانية ليس قرارًا تعليميًا فحسب، بل هو إعادة تشكيل للعقل الجمعي، برؤية أحادية تفتقر إلى العمق الإستراتيجي. وقد يحقق هذا التوجه كفاءة ظاهرية على المدى القصير، لكنه يضعف الأسس التي تقوم عليها الاستدامة الحضارية. أما الرؤية المتوازنة، فهي التي تدرك أن الجامعة ليست مصنع وظائف، بل مصنع وعي - وأن الوعي، بما يحمله من لغة وتاريخ وفهم للمجتمع، هو الأصل الذي تُبنى عليه كل نهضة حقيقية.