رسيني الرسيني
تبدأ القصة من حلم وفكرة صغيرة، ثم عرض تقديمي وجولة استثمارية، ثم أرقام مستخدمين ونسب نمو متسارعة. ومع الوقت، يصبح النمو نفسه هدفًا مستقلًا، بغض النظر عن الربحية. ولذلك تبدو كثير من الشركات أنها تقترب من القمة، لكنها في الواقع قد تكون تبتعد تدريجيًا عن أساسيات الأعمال التقليدية مثل: الربحية وكفاءة التشغيل. وفي الأسواق الرقمية تحديدًا، يصبح من السهل إخفاء الخلل لبعض الوقت خلف أرقام النمو وعدد العملاء والجولات الاستثمارية المتتالية، إلى أن تصل الشركة إلى اللحظة التي تكتشف فيها أن التوسع كان أسرع من قدرتها على تحمل تكلفته.
خلال الفترة الماضية، ظهرت شركات تقنية عديدة استطاعت تحقيق نموًا لافتًا، لكنها واجهت لاحقًا صعوبات مالية أو خرجت من السوق بالكامل. السبب في ذلك لا يعود دائمًا إلى ضعف الفكرة، بل إلى طبيعة النمو نفسه. فبعض القطاعات، مثل التوصيل والخدمات الرقمية عند الطلب، تعتمد على هوامش منخفضة جدًا، بينما تحتاج إلى إنفاق مرتفع على التسويق والتقنية. ومع دخول منافسين جدد، ترتفع تكلفة اكتساب العميل، وتتراجع قدرة الحفاظ على الهوامش. وهنا تظهر أزمة كلما زادت الشركة نموًا، زادت خسائرها التشغيلية إذا لم يكن نموذجها الاقتصادي متوازنًا أو لم تجد جولة استثمارية أخرى.
هناك فرق كبير بين النمو الطبيعي والنمو المدفوع برأس المال الجريء. فالأول غالبًا يكون أبطأ لكنه يعتمد على تدفقات نقدية حقيقية وتوسع تدريجي يتناسب مع قدرة الشركة. أما الثاني الجريء فغالبًا يدخل بهدف واضح وهو رفع التقييم ثم التخارج خلال فترة زمنية محدودة. لذلك نجد توسع سريع وأسواق جديدة وخصومات كبيرة، ليس لأنها قرارات اقتصادية صحيحة، بل لأنها تساعد على إظهار أرقام نمو أكبر أمام المستثمرين. في المقابل فإن وجود شريك إستراتيجي طويل الأجل يكون عادة أكثر فائدة، لأنه لا يبحث فقط عن البيع والخروج، بل عن بناء شركة قادرة على الاستمرار مع إضافة قيمة تتجاوز ضخ الأموال.
برأيي أن من أكبر التحديات التي تواجه رواد الأعمال هي اختلاف الرؤية مع بعض المستثمرين، خصوصًا عندما يكون المستثمر بعيدًا عن طبيعة القطاع أو غير متخصص فيه. فالمؤسس ينظر إلى المشروع باعتباره استثماراً طويل المدى، بينما ينظر المستثمر إليه كفرصة مالية يجب أن تحقق أعلى تقييم في أقصر وقت ممكن. لذلك، يكون المستثمر المثالي إما مستثمرًا ملائكيًا لا يتدخل في التفاصيل التشغيلية، أو مستثمرًا يفهم القطاع ويضيف خبرة وعلاقات وقيمة حقيقية. وبكل الأحوال يبقى النمو الطبيعي دائمًا هو الخيار الأفضل والأكثر استدامة، إذا استطاع المؤسسون تجاوز تحديات السيولة والتدفقات النقدية.
حسنًا، ثم ماذا؟
يبقى رأس المال الجريء كما هو اسمه جريء، عال العوائد لكنه عال المخاطر أيضًا.