محمد العبدالوهاب
يؤكد علماء النفس والاجتماع من خلال أبحاثهم ودراساتهم المتعددة عن سلوك الإنسان أنها مرتبطة بالعاطفة المتقلبة. مما يجعلني أستمد منها وبها واقع التحليل الكروي اليوم القائم عليها ليصبح واقعه صدى للمدرج وليس للرؤى الفنية، وهذا النوع من الطرح يواجه عدة إشكاليات. فعندما تتحرك آراء الإعلامي مع اتجاه الريح -الفوز والخسارة فقط- يفقد المتابع الثقة في قدرته على قراءة الأحداث، فالناقد الحقيقي أو المحلل الرياضي يُفترض أن يشرح لماذا حدث ذلك، وليس ما يشعر به الجمهور تجاه ما حدث.
وهذا يشي بفقدان المصداقية، لأن التحليل العاطفي يميل غالباً لتمجيد الأشخاص عند النجاح وتصفية الحسابات عند الإخفاق! مما يحوِّل المحتوى من تحليل تكتيكي عميق إلى مجرد حكايات حكواتي يساير العاطفة اللحظية لمستمعيه، معتمداً أسلوب شخصنة النقد، في غياب للمنهجية.
بيد أن الذي يمدح اليوم ما ذمه بالأمس، إنما يفتقر للمسطرة الفنية الثابتة، فالتغيير في الرأي مقبول إذا بُني على معطيات فنية جديدة، أما التناقض الجذري بناءً على النتيجة فقط فهو دليل على غياب العمق.
فهذا الأسلوب يساهم في تأجيج التعصب وزيادة الاحتقان الرياضي، لأنه يغذي العاطفة بدلاً من تغذية العقل، ويجعل من المنصة الإعلامية مجرد مكبر صوت للمشجع المتعصب بدلاً من أن تكون منارة للتثقيف الرياضي.
أقول: إن الفرق بين الإعلامي المهني والمشجع هو المسافة، فالمهني يحافظ على مسافة كافية لرؤية الصورة كاملة، بينما المشجع يعيش داخل الصورة بكل انفعالاتها! وهذا النوع من الإعلاميين في الواقع يمارس الترفيه العاطفي لاالتحليل الرياضي، فهو ببساطة يبيع للجمهور ما يريد سماعه في لحظة النشوة، ويجلد معهم من يريدون جلده في لحظة الانكسار.
إن تحوّل الإعلامي والمحلل الرياضي من ناقد إلى مرآة، إنما يقرر أن يكون مرآة تعكس مشاعر الناس بدلاً من أن يكون كشافاً يضيء لهم زوايا فنية لايراها المشجع العادي، الذي يدفع ثمن التذكرة لينفعل، بخلاف الإعلامي الذي يتقاضى أجراً ليفكر.
(بعض) المحللين والإعلاميين يعانون تشويشاً في قراءة المشهد، فيركزون فقط على المنتج النهائي وفي حساباتهم أن المدرب يكون عبقرياً إذا سكنت الكرة الشباك وفاز الفريق، وفاشلاً إذا اصطدمت بالقائم أو بالجماهير، دون النظر للتكتيك أو ظروف المباراة أو حتى اللاعبين.
هذا النوع من التحليل هو تحليل سطحي لأنه يربط إلى حد كبير القيمة الفنية بالصدفة وهو نتيجة تآكل الشخصية المهنية القائم على مدح اليوم ماكان يذمه بالأمس لمجرد تغير النتيجة، وهذا أحسبه إعلان إفلاس مهني، لمن لايملك مسطرة واقعية يقيس بها، بل يعتمد على ترمومتر يقيس حرارة المدرجات! لأن من يتعاطى مع الموضوع بهذا الأسلوب، يعمد في الغالب إلى الاستثمار في الضجيج، وعادة ما يكون هذا السلوك متعمَّداً للبقاء في دائرة الترند لكون الصراخ والتناقض يجلبان المشاهدات أكثر من التحليل الهادئ والمتزن، لذا هم يضحون بالرصيد المعرفي مقابل الانتشار اللحظي.
أعود وأقول: إن الإعلامي والمحلل الذي يقتات على عواطف الجمهور هو ضحية في الواقع لها، لأن الجمهور الذي رفعه بالأمس لمجرد أنه نال من خصمه، سيسقطه غداً إذا لم يوافق هواه.
آخر المطاف
قالوا: متى ما استهدف النقد جانب القصور بالتضخيم والمبالغة، فقد انقلب من النقد إلى الانتقاد المذموم.