وائل العتيبي - جدة:
في مشهدٍ سينمائي سعودي يتسارع نحو النضج، لم يعد السؤال الأهم: هل الفيلم جيد أم لا؟ بل: كيف يُقرأ؟ كيف يُستقبل؟ وكيف يُكتب في الذاكرة؟
هنا، تتقدم السينما بوصفها تجربة مفتوحة، لا تكتمل عند العرض، بل تبدأ حياتها الحقيقية في وعي الجمهور وتعدد تأويلاته.
من هذا المنطلق، يطرح الناقد السينمائي محمد البشير مشروعًا فكريًا يتجاوز حدود النقد التقليدي، ممتدًا من دراسته الأكاديمية حول «تلقي الرواية السعودية في الصحافة»، إلى اشتغاله على السينما بوصفها ظاهرة ثقافية مركبة، تتقاطع فيها القراءة مع التوثيق، والانطباع مع التحليل.
وفي كتابه التوثيقي «السينما السعودية: فيلموجرافيا الأفلام السعودية في صالات السينما»، يرصد البشير لحظة مفصلية بدأت مع عودة دور العرض في عودة السينما في السعودية 2018، بوصفها نقطة تحوّل أعادت تشكيل العلاقة بين الفيلم والجمهور، وأطلقت مسارًا جديدًا للإنتاج والتلقي.
في هذا الحوار، نقترب من أسئلة المعنى، والذاكرة، ودور الناقد في زمن تتعدد فيه الأصوات.
* لنبدأ من مشروعك البحثي... كيف انتقلت من تلقي الرواية إلى تلقي السينما؟
- لم يكن انتقالًا حادًا، بل امتداد طبيعي للسؤال ذاته. الأدوات النقدية تتجاور بين الحقول، وما اكتشفته في دراسة تلقي الرواية فتح أمامي فهمًا أعمق لتأثير المتلقي على النص.
في السينما، تتكرر العلاقة، لكن بوضوح أكبر؛ فالفيلم لا يكتمل عند إنتاجه، بل يتشكل معناه عبر التفاعل معه. لذلك أتعامل معه كحدث ثقافي يتجاوز الشاشة، ويؤثر في الصناعة نفسها، وهو ما حاولت تتبعه في عملي التوثيقي.
* هل يعني ذلك أنك لا تؤمن بالحكم النقدي التقليدي؟
- الحكم جزء من العملية، لكنه ليس بدايتها ولا يمثلها كاملة. ما يهمني هو فهم آلية التلقي: كيف يُقرأ الفيلم؟ ولماذا تختلف الآراء حوله؟
التحول هنا من النتيجة إلى المسار، ومن إطلاق الأحكام إلى تحليل كيفية تشكّلها، وتأثيرها في حركة الإنتاج واستمرارية المخرجين وتوجهات السوق.
* كيف ترى تعدد الآراء حول الفيلم الواحد؟
- هذا مؤشر صحي. تعدد القراءات يعني أن الفيلم يمتلك قدرة على إنتاج معانٍ متعددة.
كما ذكرت في كتابي «كما الماء: تأملات في السينما السعودية»، الفيلم يشبه الماء؛ كل متلقٍ يراه من زاويته، ويفسره وفق تجربته، بينما يظل في جوهره واحدًا.
* ماذا عن الآراء الانطباعية السريعة؟
- رغم بساطتها، هي مهمة جدًا. تعكس الاستجابة المباشرة للجمهور، وتمنح تصورًا حيًا عن تلقي العمل خارج الإطار الأكاديمي.
ليست كل قراءة تحليلًا عميقًا، لكنها تسهم في تشكيل الصورة العامة، وتعزز حضور الفيلم وانتشاره، إلى جانب النقد المتخصص.
* هل لهذا السبب قدمت ورش كتابة المراجعات؟
- بالتأكيد. توسيع دائرة المشاركة ضروري.
المشهد النقدي لا يُبنى بصوت واحد، والورش لا تصنع نقادًا بقدر ما تفتح المجال للتعبير الواعي، وتحول التلقي من تجربة صامتة إلى ممارسة فاعلة. وقد دعمت هيئة الأفلام هذا التوجه عبر مبادرات تدريبية، منها ورش مشتركة مع أحمد شوقي.
* لكن، ألا يؤدي تعدد الأصوات إلى تشتيت المشهد؟
- التشتيت لا ينتج عن كثرة الأصوات، بل عن غياب الإطار الذي يقرأها.
اليوم، هذا الإطار حاضر عبر المهرجانات والمؤتمرات والمنصات الإعلامية مثل ثمانية وسوليوود وغيرهما. عندما نفهم سياق كل رأي، يصبح جزءًا من حوار أوسع، لا فوضى.
* ننتقل إلى كتابك «السينما السعودية»... ماذا يضيف؟
- هو توثيق وقراءة في آن واحد. يرصد المرحلة منذ 2018 حتى 2023، ويقدم الفيلموجرافيا كخريطة تكشف أنماط الإنتاج واتجاهاته، لا مجرد قائمة أفلام. عبر هذا التتبع، تظهر تحولات لا يمكن ملاحظتها عند النظر لكل فيلم بمعزل.
* لماذا اخترت 2018 نقطة بداية؟
- لأنها لحظة تأسيس جديدة. عودة دور العرض أعادت تشكيل العلاقة بين الفيلم والجمهور، وفتحت مسارًا مختلفًا للإنتاج والتلقي، ما يستدعي قراءة خاصة وتوثيقًا مستمرًا.
* كيف تقرأ منافسة الأفلام السعودية في شباك التذاكر؟
- تعكس جاهزية الصناعة ونضج التجارب، من أعمال مبكرة إلى حضور كيانات مثل تلفاز 11.
لكن الأرقام وحدها لا تكفي؛ يجب قراءتها فنيًا وثقافيًا، لا اقتصاديًا فقط.
* كيف تربط بين التوثيق والتلقي؟
- التلقي يفسر كيف يُفهم الفيلم، والتوثيق يحدد موقعه في المشهد.
عند الجمع بينهما، نحصل على صورة متكاملة.
نجاح فيلم مثل «هوبال» مثلًا، مقابل غياب أفلام أخرى، يفتح بابًا للتحليل لا يمكن فهمه دون رصد دقيق.
* هل التوثيق فعل نقدي؟
- نعم، لأن اختيار ما يُوثق وكيف يُعرض يعكس رؤية.
كما أن ما يكتبه النقاد -من أجيال سابقة ولاحقة- يتحول بمرور الزمن إلى مرجع يُبنى عليه، وهذا بحد ذاته امتداد للفعل النقدي.
* كيف ترى تأثير السوق السعودي اليوم؟
- السوق أصبح لاعبًا مؤثرًا إقليميًا، لكنه يطرح تحديات تتعلق بنوعية الإنتاج.
الخطر ليس في القوة، بل في أن تُختزل القيمة في الأرقام فقط، وهنا تأتي أهمية القراءة النقدية المتوازنة.
* ما دور الناقد السعودي في ظل هذه التحولات؟
- لم يعد دوره إصدار الأحكام فقط، بل تفسير تشكّل المعنى وربط العمل بسياقه.
ومع حراك مؤسساتي مثل جمعية نقاد السينما السعودية، يتعزز هذا الدور ضمن مشهد أكثر نضجًا وتعددًا.
* وأخيرًا... من يحكم على الفيلم؟
- الزمن.. ما يُكتب اليوم هو لحظة من لحظات التلقي، أما ما يبقى فهو ما يثبت حضوره.
ومن هنا، بين التلقي والتوثيق، تتشكل الذاكرة... الذاكرة التي ستخبرنا لاحقًا: ماذا بقي، ولماذا؟