عبدالوهاب الفايز
في مقال الأسبوع الماضي وقفنا عند قرار جامعة الملك سعود الذي طارت به الركبان وأصبح شأناً عاماً، وكان له وقع خاص!
من إيجابياته انه كشف عن المكانة الكبيرة للجامعة في الوعي الشعبي الجمعي. فالجامعة كانت قاطرة التعليم العالي، وأحد ميادين (صناعة الوحدة الوطنية)، فلا يوجد قرية في مناطق المملكة لم تدر فيها حكاية، أو تجر فيها أمنية، أو تُسترجع فيها ذكريات عن الجامعة.. أو حتى عتاب أو شكوى! وحرارة المشاعر تلمسها طاغية في ردود الفعل التي وصلت على المقال.
ثم من الايجابيات العودة عن هذا القرار، فمجلس إدارة الجامعة أعاد الأمور لوضعها السابق، حيث اتخذ القرار السليم المستنير بأدبيات الدولة ومقتضيات الحكمة. وعلى الرغم من أن هناك من وصف القرار بانه (تراجع) يدعو للأسف، ولكن الرأي المجرد من آفة الهوى والمصالح يقول إن القرار يستجيب لمقتضيات المصلحة العامة التي رأها نخبة من أهل الفكر والرأي مدفوعين بثقتهم بإمكانات الجامعة وكفاءة العاملين فيها. وفي مسار الدولة الطويل الحافل بالمنجزات والتحديات والإخفاقات والنجاحات، صحح ولي الأمر أمور عديدة، وراجع قرارات ومشاريع ومبادرات عندما رأى أن المصلحة العليا للدولة تتطلب ذلك، ولم يلتفت لمن يصفها بالتراجع، أو الفشل، أو الخوف، فأصحاب العقول وأهل الحكمة محصنون ويعرفون مصالح بلادهم.
وحتى إذا اتفقنا على أن للقرار إيجابياته وسلبياته، علينا أيضا أن نقدر العاطفة الخاصة تجاه الجامعة، ونتفهمها نظراً لما تحمله من حنين وشوق عاطفي لفترة زمنية مضت وانقضت وبقيت الذكريات حاضرة عن قاعات وممرات الكليات. هذه الحالة الشعورية والحميمية طبيعية وتنشأ مع الأماكن والأشياء، وحتى مع العلامات التجارية.. (وهناك حالات عديدة مدونة في أدبيات علم التسويق لشركات خسرت مئات الملايين حين ألغت أوبدلت في علاماتها التجارية). مثل هذه الخصوصيات قد يغفل عنها البعيدون عن السياق الحضاري والثقافي المحلي حين تقديم التوصيات في الاستشارات والدراسات.
وقد شهدنا الصدمة الكبرى من بعض الزملاء الإعلاميين الذي تخرجوا في أقسام اللغة العربية. انزعجوا عندما تكشفت النية المبيتة للتخلي عن أقسام اللغة العربية، مع تخصصات إنسانية أخرى. فمن واقع الإعلام السعودي نجد المثال الموضوعي الذي يؤكد بأن ربط التعليم الجامعي باحتياجات سوق العمل قد تكون خداعة. الذين قرروا تدريس اللغة العربية كتخصص أكاديمي في الجامعة، قبل نصف قرن، نجزم أنهم لم يتوقعوا أن خريجي هذا القسم سوف ينتهون موظفين في الاذاعة والتلفزيون والصحافة، فقد كانت البلد عطشى للمعلمين والمعلمات، فالمدارس هي سوق العمل الأساسي للخريجين، وكان التوظيف للتعليم حينئذ يتم بعد الانتهاء من الثانوية.
وهكذا جنينا ثمار تخصص اللغة العربية في مجال غير التعليم. لقد نجحت الاذاعة والتلفزيون نتيجة توفر الخريجين المتمكنين من اللغة العربية لكون الإعلام اتصال، واللغة هي اداة الاتصال، وإجادة هذه الوسيلة يعظم الأثر للرسالة. إجادة اللغة كانت ومازالت مهارة أساسية للعمل الإعلامي، وهذه المهارة ايضا جذبت عدد من خريجي كليات الشريعة للعمل الإعلامي بحكم إجادتهم للغة العربية.
وحتى في أيامنا هذه، ضعف إتقان اللغة العربية مازال نقطة الضعف الأساسية في المجال الإعلامي. بل وحتى في المجالات العلمية والهندسية. طلاب يتخرجون ولا يستطيعون التعبير عن أنفسهم وافكارهم بلغة سليمة. وفي الجهاز الحكومي هناك طلب عال لتدريب العاملين على صياغة الخطابات والمراسلات والتقارير بلغة عربية سليمة.
تجربة (مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية) وما حققه، رغم عمره القصير، توفر لنا مبادراته رأياً موضوعياً وربما حاسماً يسعفنا في الرد على دعوات تقليص تخصصات اللغة العربية. فالمجمع نجح في نقل اللغة من سياقها الأدبي الكلاسيكي إلى فضاء ما يعرف بـ(الاقتصاد المعرفي). تفعيل هذا المسار سوف يؤكد أن الخلل ليس في ذات التخصص، بل في نمط استثماره. العام الماضي دعانا الدكتور عبدالله الوشمي الأمين العام للمجمع لتكريم المنشآت المشاركة بـ(مسرعة الأعمال)، وقد سعدنا حين رأينا المستثمرين العصاميين من مختلف دول العالم يجتمعون في الرياض لعرض شركاتهم ومستقبل استثماراتهم في التطبيقات الرقمية والألعاب، وفي الذكاء الاصطناعي وغيرها من المنتجات.
فمن خلال مبادرات المركز مثل (مسرعة الابتكار للغة العربية) و(مركز ذكاء العربية)، تتحول اللغة إلى مورد إستراتيجي يدعم وظائف المستقبل في استخدامات ذكاء الآلة، ومعالجة البيانات، وصناعة المحتوى الرقمي. لذا، فإن المعيار الحقيقي لسوق العمل اليوم لم يعد يتطلب الحد من هذه التخصصات، بل يتطلب (تحديث مخرجاتها) لتتحول من كوادر تعليمية تقليدية إلى كفاءات تقنية واستثمارية قادرة على تحويل الثقافة اللغوية إلى منتج اقتصادي ذي قيمة مضافة تتماشى مع مستهدفات رؤية السعودية 2030. مبادرات المركز تؤكد أن المجالات الإنسانية مازالت حافلة بفرص العمل والاستثمار، وفرص العمل ربما الذي يعوقها آلية ادارة العرض والطلب في السوق.
الأسبوع الماضي قلنا إن هناك المئات من خريجي أقسام الإعلام السعودية وبرنامج الابتعاث الذي درسوا في جامعات عالمية متميزة لم يستطيعوا النفاذ إلى فرص العمل، سواء في المجموعات الإعلامية الكبرى، أو حتى في المنشآت الخاصة العاملة بالخدمات الإعلامية والتسويقية. أغلب هذه تقوم بإسناد أعمالها لشركات خارجية تحت الذريعة القديمة المتجددة، وهي: عدم توفر (الخبرات السعودية!). وهذا التصور السلبي عن الكفاءات السعودية حال دون استفادتهم من الإنفاق العالي والواسع التي صاحب برامج الرؤية.
وحالة (النفاذ لأسواق العمل) هو الموضوع الساخن الذي اضطرت الحكومة لمعالجته عبر برامج التوطين الإلزامية، والحمد لله أننا نمضي سريعا بتحقيق النجاحات في هذا المسار. ولمسنا قصص النجاح في إرتفاع مؤشرات التوطين في القطاع الصحي الذي تضمنه التقرير الرسمي الصادر عن المركز الوطني لتخطيط القوى العاملة الصحية. ورغم التحسن الواضح إلا أن فجوة الاحتياج مازالت كبيرة في القطاع، وتعكسها النسب العالية للعاملين غير السعوديين.
والقطاع الخاص الصحي ينمو سريعا مدفوعا بتطور سوق التامين نتيجة توسع برامج التامين الحكومية، وهذا الإنفاق يُفترض أن تكون له قوة ضاغطة على القطاع للتوسع بالتوطين. هذه مسوولية وزارة الصحة.
لذا، وكما انتهينا الأسبوع الماضي نجدد القول: الإشكالية الحقيقية ليست في التخصصات الإنسانية، بل في (اختلالات بنيوية أعمق في إدارة السوق، وفي منظومة التعليم والاقتصاد معاً). وربما هذا لا تدركه أو تتجاهله بعض الأوساط الإدارية والاستشارية. وهذا جعل وضع التعليم الجامعي الحلقة الأضعف في منظومة التوظيف ومجال مفتوح للمعالجات السريعة، بالذات التخصصات الإنسانية والاجتماعية.
فهذه هي (الجدار القصيّر!) والأسرع لتعديل مناهجها وهيكل كلياتها دون معرفة دقيقة بحالة الاقتصاد والسوق. فأصبح لدينا خلط منهجي خطير بين وظيفتين مختلفتين جذرياً: وظيفة بناء العقل وتكوين الإنسان عبر التركيز على جودة المخرجات، ووظيفة تأهيل اليد العاملة.
الذي لا يُختلف عليه هو: التعليم حاجة انسانية، وحق إنساني أساسي هدفه الأسمى تحرير الإنسان من الجهل، وهدفه الوطني إنتاج (المواطن الصالح). فهل نضحي بهذه الأهداف الكبرى تحت ضغوطات وتقلبات سوق العمل!؟ كذلك حين تُحوَّل الجامعة إلى منتج للموارد البشرية استجابة للاحتياجات المتقلبة للطلب في سوق العمل، فإنها قد تفقد البعد الأكاديمي الذي يقوم على: استقلالية التفكير، وحرية البحث، وقدرتها على إنتاج معرفة تتجاوز حاجة اللحظة إلى بناء المستقبل. والأدهى أن السوق ذاته - بطبيعته المتقلبة - لا يصلح معياراً ثابتاً لرسم الإستراتيجية لمؤسسات تُبنى على أفق يمتد لعقود، بالذات إذا كانت غير ربحية. في الكيانات غير الربحية جودة المنتج مقدمة على جودة السوق. انظروا إلى جامعتي الملك فهد والأمير سلطان، جودة العرض أوجدت الطلب/ جود السوق.
وللحديث بقية