يوم الأرض هو حدث عالمي سنوي يهدف إلى رفع مستوى الوعي بالقضايا البيئية ودعم المسؤولية المشتركة بين الدول والأفراد لحماية كوكب الأرض والحفاظ على موارده الطبيعية من التدهور والاستنزاف.
إلا أن أهمية هذه المناسبة في المملكة تتجاوز الإطار التقليدي للتوعية، لتصبح انعكاساً مباشراً لتوجه وطني استراتيجي قائم على التخطيط العلمي والحوكمة البيئية وإعادة هيكلة العلاقة بين التنمية والبيئة ضمن رؤية شاملة طويلة الأجل.
يأتي هذا التحول في خضم التغيرات العميقة التي تشهدها المملكة في إطار رؤية المملكة 2030، التي جعلت الاستدامة البيئية ركيزة أساسية في مسيرة التحول الوطني، باعتبارها عنصراً جوهرياً في بناء اقتصاد متوازن يحقق النمو دون الإضرار بالموارد الطبيعية أو النظم البيئية.
قبل إطلاق رؤية 2030، اعتمدت المملكة على جهود بيئية محدودة نسبياً، ركزت على معالجة تحديات بيئية محددة، كالتصحر المحلي أو حماية مناطق طبيعية معينة، دون وجود إطار وطني شامل يربط السياسات البيئية والاقتصادية في نظام متكامل.
لكن بعد إطلاق الرؤية، طرأ تحول جذري على فلسفة الإدارة البيئية. فقد انتقلت المملكة من «إدارة التحديات البيئية» إلى «إدارة الاستدامة البيئية»، وهو تحول يعكس الانتقال من التخطيط التفاعلي إلى التخطيط الاستباقي. وأصبحت البيئة عنصراً هيكلياً في سياسات التنمية، مدعومة بنظام مؤسسي وتشريعي وتقني متكامل قائم على البيانات والقياس والتحليل العلمي.
وفي إطار رؤية المملكة 2030، تبنت المملكة نهجاً استراتيجياً متكاملاً يُعيد تعريف العلاقة بين التنمية الاقتصادية والاستدامة البيئية. لم تعد البيئة قطاعاً مستقلاً، بل أصبحت عنصراً محورياً في التخطيط الوطني.
يركز هذا الإطار على دمج البُعد البيئي في جميع قطاعات التنمية، لا سيما تلك المتعلقة بجودة الحياة والأمن الغذائي والأمن المائي، مع التركيز على تحسين كفاءة استخدام الموارد الطبيعية والحد من الهدر البيئي.
من أبرز دعائم هذا التوجه:
- خفض انبعاثات الكربون من خلال التوسع في استخدام الطاقة النظيفة وتحسين كفاءة الطاقة.
- حماية النظم البيئية الطبيعية من التدهور وتعزيز التنوع البيولوجي من خلال توسيع المناطق المحمية.
ويعكس هذا الإطار توجهاً نحو بناء اقتصاد مستدام قائم على التكامل بين القطاعات، ويعتمد على أدوات قياس ورصد دقيقة تستند إلى بيانات ومؤشرات علمية.
وقد أطلقت المملكة مبادرة السعودية الخضراء كإطار وطني شامل للعمل المناخي، بهدف تحقيق تحول نوعي في إدارة الانبعاثات والموارد الطبيعية. تستند المبادرة إلى أهداف رئيسية، منها:
- خفض انبعاثات الكربون بمئات الملايين من الأطنان سنوياً بحلول عام 2030.
- زراعة 10 مليارات شجرة داخل المملكة من خلال برامج تشجير واسعة النطاق وبرامج إعادة تأهيل بيئي.
كما تقود المملكة مبادرة الشرق الاوسط الاخضر على المستوى الإقليمي، والتي تُعدّ من أكبر المشاريع البيئية عالمياً، وتهدف إلى زراعة 50 مليار شجرة في منطقة الشرق الأوسط، مما يُسهم في مكافحة التصحر، والحد من العواصف الترابية، وتحسين جودة الهواء، ودعم استقرار النظم البيئية الإقليمية.
وتعمل وزارة الطاقة على إعادة هيكلة مزيج الطاقة الوطني من خلال توسيع نطاق مشاريع الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وذلك في إطار رؤية تهدف إلى تنويع مصادر الطاقة. ويرتكز هذا التوجه على:
- تحسين كفاءة الطاقة في مختلف القطاعات.
- خفض الانبعاثات المرتبطة بإنتاج الطاقة.
- تعزيز استدامة منظومة الطاقة على المدى الطويل.
- دعم التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون.
وينفذ المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر برامج وطنية متقدمة تهدف إلى إعادة تأهيل الأراضي المتدهورة، وتحسين خصائص التربة، والحد من التصحر. وتعتمد هذه البرامج على أدوات علمية حديثة، أبرزها:
- تقنيات الاستشعار عن بُعد لرصد التغيرات البيئية.
- تحليل البيانات البيئية لتحديد مناطق التدهور.
- تطبيق حلول مستدامة لإدارة المياه والتربة.
- زراعة النباتات المحلية المقاومة للظروف المناخية الجافة.
وينفذ المركز الوطني لتنمية الحياة البرية برامج علمية متخصصة لحماية الأنواع المهددة بالانقراض وإعادة توطينها في بيئاتها الطبيعية. كما يشرف على توسيع وإدارة المحميات الطبيعية وفقاً لمعايير علمية دقيقة، استناداً إلى:
- دراسات بيئية ميدانية.
- رصد مستمر للتنوع الحيوي.
- خطط طويلة الأجل لحماية النظم البيئية.
وشهدت المملكة تحولاً واضحاً من مجرد الوعي البيئي إلى تبني نموذج متطور للحوكمة البيئية قائم على البيانات والتحليل العلمي. ويتجلى ذلك في:
- تطوير أنظمة رصد بيئي وطنية متقدمة.
- القياس المنتظم للانبعاثات ومؤشرات جودة الهواء والماء.
- استخدام تقنيات الاستشعار عن بُعد ونماذج التنبؤ البيئي.
- مواءمة السياسات الوطنية مع معايير ومؤشرات الاستدامة الدولية. يعكس هذا التوجه تحولاً نحو ما يُعرف بالإدارة البيئية القائمة على الأدلة، حيث تُبنى القرارات البيئية على بيانات دقيقة وتحليلات علمية، مما يُعزز فعالية السياسات واستدامة الموارد الطبيعية.
وبينما يركز يوم الأرض عالمياً على رفع مستوى الوعي البيئي، فإنه في المملكة يعكس مرحلة أكثر تقدماً ترتكز على التطبيق العملي للسياسات البيئية. ويتجلى ذلك في:
- التكامل المؤسسي بين قطاعي البيئة والتنمية.
- ربط الطاقة والمياه والزراعة في منظومة متكاملة.
- الانتقال من مرحلة الوعي إلى مرحلة التطبيق الفعلي والاستدامة.
- الاستثمار طويل الأجل في رأس المال الطبيعي باعتباره ثروة وطنية استراتيجية.
وبذلك، يصبح يوم الأرض في السياق السعودي مؤشراً على نضج السياسات البيئية وانتقالها من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التنفيذ المستدام.
ولم يعد دور المملكة في مجال البيئة مقتصراً على النطاق المحلي، بل تطور ليشمل بُعداً استراتيجياً إقليمياً وعالمياً. ويعكس هذا تحولاً في موقف المملكة من مجرد مشارك في الجهود البيئية إلى فاعلٍ ومؤثر في صياغة سياسات المناخ الإقليمية والدولية. ويُعد هذا التحول جزءاً من رؤية شاملة مرتبطة بأهداف رؤية المملكة 2030، التي تُعزز مفهوم المسؤولية البيئية المشتركة، وتربط التنمية المستدامة بالتعاون الدولي في مواجهة تغير المناخ.
وعلى الصعيد الإقليمي، برزت المملكة كقوة دافعة للعمل البيئي الجماعي من خلال مبادرة الشرق الأوسط الأخضر. تمثل هذه المبادرة إطاراً غير مسبوق في المنطقة، إذ توحد الدول في نظام تعاون بيئي موحد يهدف إلى معالجة التحديات المشتركة، وأبرزها التصحر، وتدهور الأراضي، وارتفاع درجات الحرارة، وفقدان الغطاء النباتي. تستند هذه المبادرة إلى منهجية علمية تشمل:
- تنسيق السياسات البيئية بين دول المنطقة بدلاً من الجهود الفردية المتفرقة.
- استهداف زراعة 50 مليار شجرة، ما يجعلها واحدة من أكبر برامج التشجير في العالم.
- دعم مشاريع إعادة تأهيل الأراضي المتدهورة وتحسين خصائص النظم البيئية الإقليمية.
- تعزيز القدرة على التكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره المباشرة. يعكس هذا التوجه تحولاً كبيراً في التفكير البيئي الإقليمي، حيث لم تعد التحديات البيئية تُدار على المستوى الوطني فقط، بل يتم التعامل معها ضمن إطار متكامل عابر للحدود الوطنية قائم على تبادل الخبرات وتوحيد الجهود العلمية والمالية.
وعلى الصعيد العالمي، عززت المملكة حضورها في منظومة العمل المناخي الدولية من خلال إطلاق مبادرة السعودية الخضراء. تمثل هذه المبادرة إطاراً وطنياً شاملاً للتحول البيئي، كما أنها تحمل بُعداً دولياً واضحاً من خلال مساهمتها في دعم الجهود العالمية لمكافحة تغير المناخ. تعكس المبادرة انتقال المملكة من مرحلة «الالتزام بالمعايير الدولية» إلى مرحلة «صياغة حلول قابلة للقياس والتنفيذ». ومن الجدير بالذكر أن هذا التحول يعكس تطوراً في دور المملكة الدولي، من دولة تتفاعل مع السياسات البيئية العالمية إلى دولة تساهم في صياغتها وتطوير أدوات تنفيذها.
ويمكن قراءة وتفسير دور المملكة الإقليمي والعالمي نحو البيئة على ثلاثة مستويات مترابطة:
- الريادة البيئية الإقليمية: أصبحت المملكة لاعباً رئيسياً في تنسيق الجهود البيئية في الشرق الأوسط، بدلاً من الاعتماد فقط على حلول وطنية منعزلة.
- من السياسات إلى التطبيق: انتقلت المبادرات البيئية من الإطار النظري إلى مشاريع ميدانية قابلة للقياس، مما عزز مصداقية العمل المناخي السعودي.
- الدبلوماسية البيئية: أصبحت القضايا البيئية جزءاً لا يتجزأ من حضور المملكة الدولي، وأداةً لتعزيز الشراكات والتعاون متعدد الأطراف في قضايا المناخ..
ويعكس دور المملكة الإقليمي والعالمي في المجال البيئي تحولاً نوعياً في مفهوم القوة البيئية. فلم يعد هذا الدور مرتبطاً بالموارد أو الموقع الجغرافي فحسب، بل أصبح مرتبطاً بقدرتها على إطلاق مبادرات مؤثرة، وصياغة حلول مستدامة، وبناء شراكات دولية فعّالة.
وبمواءمة هذا الدور مع أهداف رؤية المملكة 2030، يتضح أن المملكة تسعى جاهدة لتعزيز مكانتها كلاعب رئيسي في الحوكمة البيئية العالمية. وهذا يؤكد أن حماية البيئة لم تعد مجرد مسؤولية محلية، بل التزام عالمي تقوده دول قادرة على تحويل الرؤية إلى واقع ملموس ومستدام.
** **
- د. عبدالعزيز بن غازي الغامدي
agghamdi@ksu.edu.sa
@AlghamdiAG