السموأل محمد إبراهيم
في لحظة وطنية تتجاوز حدود الاحتفاء إلى أفق الفخر الحضاري، تمضي المملكة العربية السعودية في صياغة مستقبلها بثبات يرسخ المعنى العميق للدولة التي تبنى بالإرادة والرؤية، لا بالصدفة ولا بالانتظار. وها هي «رؤية 2030» تطوي مرحلتها الثانية وهي محملة بمنجزات نوعية تجاوزت 93 % من مؤشرات الأداء، لتفتح بوابة مرحلتها الثالثة كامتداد طبيعي لمسار تنموي أدرك منذ بدايته أن التحول الحقيقي لا يعلن في الخطط، بل يصنع في الواقع، ويقاس بعمق الأثر لا بكثرة الشعارات.
لقد شكلت المرحلتان الأولى والثانية من «رؤية 2030» منعطفا تاريخيا في مسيرة التنمية السعودية، إذ أعيد خلالها تشكيل البنية التنموية للدولة على أسسٍ حديثة تتجاوز المفهوم التقليدي للإدارة إلى مفهوم الدولة الفاعلة في صناعة المستقبل. فقد شهدت تلك المرحلة تحديثا واسعا للمنظومة التشريعية، وإعادة هندسة للمؤسسات بما يعزز كفاءتها وفاعليتها، إلى جانب تمكين صندوق الاستثمارات العامة ليغدو ذراعا اقتصادية محورية تعكس طموحا وطنيا ممتدا نحو آفاق عالمية.
كما تبلور فيها مسار تنويع مصادر الدخل، وانطلقت خلالها القطاعات الواعدة لتؤدي دورها في تشكيل اقتصادي أكثر مرونة وتنوعا، بينما أطلقت طاقات المجتمع (أفرادا ومؤسسات) نحو فضاءات أرحب من الإنتاج والإبداع والمشاركة الفاعلة في التنمية. ولم تكن تلك التحولات مجرد حزمة من البرامج أو الإجراءات الإدارية، بل كانت إعادة صياغة عميقة لمفهوم التنمية ذاته، نقلته من كونه عملية تقنية إلى كونه مشروعا حضاريا شاملا، يتصدر فيه الإنسان مركز الغاية ومحور البناء، وتلتقي فيه التنمية بالكرامة والطموح والفرص في آن واحد.
واليوم، ومع انطلاق المرحلة الثالثة، تتعمق الرؤية أكثر في مسارها، متجهة نحو ترسيخ المكتسبات، وتعظيم الأثر، وضمان الاستدامة، بما يجعل من المنجزات السابقة قاعدة انطلاق لا محطة وصول. إنها مرحلة تتسع فيها الطموحات لتلامس آفاقا أكثر رحابة، حيث تتكامل الجهود، وتتسارع الخطى، ويعاد تعريف الممكن في ضوء ما تحقق على أرض الواقع.
وإنه لمن دواعي الفخر والاعتزاز أن نشارك هذا الوطن العظيم نبضه وإنجازاته، فهو لا يقدم لنا مجرد فضاء للإقامة، بل يفتح لنا أفق الانتماء بمعناه الأرحب والأعمق. فنحن المقيمين على هذه الأرض المباركة لا ننظر إلى المملكة العربية السعودية بوصفها مكانا نعيش فيه فحسب، بل بوصفها وطنا احتوانا بفيض عطائه، وأكرمنا بفرصه، وأشركنا في مسيرته التنموية المدهشة. نفرح لإنجازاتها كما يفرح أهلها، ونبتهج لتقدمها كما يعتز به أبناؤها، ونشهد بكل صدق وإعجاب ما يتحقق فيها من قفزات تنموية استثنائية جعلتها أنموذجا عالميا يحتذى في التحول والبناء وصناعة المستقبل.
وقد بلغ هذا الانتماء في نفوسنا من العمق والرسوخ ما يجعلنا نعد أنفسنا جزءا من هذا الكيان العظيم، حتى إننا لنكون على استعداد صادق لبذل الغالي والنفيس، وفداء هذا الوطن بكل ما نملك، إذا ما دعت الضرورة إلى ذلك. وفي كل مرحلة من مسيرتها، نزداد يقينا بأننا أمام وطن لا يصنع إنجازاته لنفسه فقط، بل يكتب بها سيرة نجاحٍ تمتد آثارها إلى محيطه والعالم.
وفي هذا السياق، تتوجه القلوب والعقول بأسمى آيات التقدير والاعتزاز إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله- وإلى صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء وقائد الرؤية -حفظه الله- على ما تحقق في عهدهما من منجزات تاريخية غير مسبوقة، أعادت رسم موقع المملكة على خريطة التأثير العالمي، ورسخت حضورها بوصفها قوة فاعلة في صناعة المستقبل وصياغة ملامحه.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد تقدم اقتصادي أو إداري، بل هو مشروع حضاري متكامل يعيد تعريف التنمية بمعناها الشامل، ويؤسس لمرحلة يكون فيها الإنسان السعودي - والمقيم على هذه الأرض المباركة - شريكاً في صناعة الإنجاز، لا مجرد متلق له.
وختاما، تبقى «رؤية 2030» أكثر من خطة زمنية؛ إنها وعد وطني يتحقق وطموح يتجدد، ومسار لا يعرف التوقف. ومع دخولها مرحلتها الثالثة تتسع الآمال بأن تكون السنوات القادمة أكثر إشراقاً، وأكثر إنجازاً، وأكثر إبهاراً، في وطن لا يرضى إلا بالصدارة، ولا يقبل إلا بالمجد عنواناً لمستقبله.