الرياض - خاص بـ«الجزيرة»:
كشفت الدراسات والأبحاث العلمية أن انفصال الوالدين يمثل نقطة تحول كبرى في حياة الطفل، وغالباً ما تظهر آثاره في عدة جوانب مشكلات سلوكية، واضطرابات نفسية وعاطفية، وربما التدهور الدراسي، ومشكلات صحية ونفسية، وكذلك التحديات الاجتماعية، وبعض المشكلات الأخرى.
«الجزيرة» ناقشت القضية مع عدد من المختصين في العلوم الشرعية والقانونية والاجتماعية والطبية والنفسية، وذلك لرصد السبل الكفيلة للتغلب على المشكلات في هذه المرحلة العمرية للطفل، والجهات المعنية في ذلك، للتقليل والحد من هذه الآثار السلبية.
مرض اجتماعي
يؤكد الدكتور صالح بن عبدالرحمن المحيميد رئيس محاكم منطقة المدينة المنورة سابقاً أن الآثار السلبية في حياة الطفل عند انفصال الوالدين ليست إلا عرضًا لمرضٍ اجتماعيٍّ خطير، بل يشتدُّ خطره إذا كثر وانتشر في المجتمع، ولا ريب أن العلاج الحقيقي يكون بمعالجة السبب، وهو الانفصال، وذلك يبدأ بالتوعية والإعلام المركَّز بأهمية الزواج، وبيان سُبل تحقيق الألفة بين الزوجين، وبناء الأسرة بناءً صحيحًا يقوم على ركيزتين أساسيتين: الزوج والزوجة.
ومن ثمّ، يجب العناية بهما عبر توعيةٍ سليمةٍ تُبيّن لكلٍّ منهما حقوقه وواجباته؛ فالمجتمع مطالبٌ بأن يُدرك أن الزواج هو أساس قيامه واستقراره، وأن يُسهم في توعية الأبناء والبنات بأهميته وضرورته، وأن مصالحه ومقاصده لا تُحصى.
واجبات ضرورية
وشدد الدكتور صالح المحيميد على أنه ينبغي التأكيد على أن على الزوج واجبات ضرورية تجاه زوجته وأولاده، وعلى الزوجة واجبات ضرورية تجاه زوجها وأولادهما.
وأن قيام كلٍّ منهما بواجبه تجاه الآخر عملٌ صالحٌ يُبتغى به الأجر والثواب من الله تعالى.
وإذا وقع تقصيرٌ من أحدهما، فإن معالجته تكون بالرفق واللين، مع تقدير الظروف، والسعي في الإصلاح، والتحلي بالصبر والتحمّل، مع استشعار الآثار المدمِّرة للخصام والنزاع والانفصال على الزوجين والأولاد والمجتمع، وفي الصبر والتحمّل أجرٌ عظيمٌ من الله الكريم.
نسأل الله تعالى أن يُبصِّر مجتمعنا بما يحقق الألفة والمحبة والمودة بين أفراده.
بصمات عميقة
وتشير الدكتورة إكرام رابح عياد استشارية طب الأطفال في الرياض إلى أن الأسرة هي البيئة الأولى والمحور الأساسي الذي تتشكل فيه شخصية الطفل ورؤيته للعالم، لذا فإن أي خلل في استقرار هذا الكيان، سواء من خلال النزاعات المستمرة أو قرار الانفصال، يترك بصمات عميقة على التكوين النفسي والسلوكي للطفل.
تأثيرات جانبية
وأبانت الدكتورة إكرام عياد استشارية طب الأطفال بالرياض أهم التأثيرات الناتجة عن هذه الضغوط الأسرية:
1- الآثار النفسية والعاطفية:
يعيش الطفل في ظل المشاكل الأسرية حالة من «عدم الأمان»، مما يؤدي إلى:
* القلق والاكتئاب: الشعور الدائم بالخوف من المجهول أو فقدان أحد الوالدين يولد حالة من التوتر المزمن.
* لوم الذات (جلد الذات): يميل الأطفال، خاصة في سن صغيرة، إلى الاعتقاد بأنهم السبب في شجار الوالدين أو انفصالهما، مما يولد لديهم شعوراً طاغياً بالذنب.
* التذبذب العاطفي: قد يظهر الطفل مشاعر متناقضة، مثل: الحب الشديد لدرجة الالتصاق بأحد الوالدين، أو الغضب والانطواء.
2- التأثيرات السلوكية:
تنعكس الصراعات الداخلية على تصرفات الطفل الخارجية بأشكال مختلفة:
* السلوك العدواني: قد يفرغ الطفل غضبه المكبوت من خلال العنف مع الأقران أو تدمير الألعاب.
* النكوص السلوكي: العودة لسلوكيات مرحلة عمرية سابقة (مثل: التبول غير الإرادي أو التلعثم في الكلام) كوسيلة غير واعية لجذب الانتباه أو التعبير عن العجز.
* العزلة الاجتماعية: تجنب التفاعل مع الآخرين والهروب إلى العالم الافتراضي أو الخيال هرباً من الواقع المؤلم.
3- التأثير على النمو المعرفي والدراسي:
يستهلك القلق النفسي طاقة الطفل الذهنية، مما يؤدي إلى:
* تشتت الانتباه: يصعب على الطفل التركيز في الحصص الدراسية بينما يشغل باله ما يحدث في المنزل.
* تراجع التحصيل العلمي: غالباً ما يلاحظ المعلمون هبوطاً مفاجئاً في درجات الطفل الذي يمر بظروف أسرية صعبة.
4- إستراتيجيات التخفيف من حدة التأثير:
على الرغم من صعوبة الموقف، يمكن للوالدين تقليل الضرر من خلال:
* تحييد الأطفال: الحفاظ على النزاعات بعيداً عن مسمع ومرأى الأبناء قدر الإمكان.
* التأكيد المستمر على المحبة: إيضاح أن الانفصال هو قرار بين البالغين ولا علاقة للطفل به، وأن حب الوالدين له لن يتغير.
* الحفاظ على الروتين: استقرار مواعيد النوم، الدراسة، والأنشطة يساعد الطفل على الشعور بأن حياته لم تنهدم تماماً.
* التواصل المفتوح: تشجيع الطفل على التعبير عن مشاعره (بالكتابة، الرسم، أو الكلام) دون خوف من الحكم عليه.
مشكلات متعددة
ويشدد الدكتور خالد بن محمد السرحان استاذ علم الاجتماع أن انفصال الوالدين يعتبر أحد التحديات الكبيرة التي يواجهها الأطفال في مرحلة الطفولة، حيث يمكن أن يؤثر سلبًا على نموهم النفسي والعاطفي والاجتماعي، وتشير الإحصائيات إلى ارتفاع نسب الطلاق مما يزيد من المخاطر التي يتعرض لها الأطفال، ووفقًا لإحصائيات الهيئة العامة للإحصاء، بلغت نسبة الطلاق في السعودية 52.6 % في عام 2020، حيث تشير البيانات إلى أن معظم حالات الطلاق تحدث بين الأزواج الذين تتراوح أعمارهم بين 25-39 عامًا، ومن المشكلات الناجمة عن انفصال الوالدين:
1- مشكلات سلوكية تتمثل في اضطرابات سلوكية مثل: العدوانية أو الانطواء.
2- اضطرابات نفسية وعاطفية يصاب بها الأطفال مثل: الاكتئاب والقلق نتيجة للضغط النفسي.
3- تدهور الحالة الدراسية حيث يتأثر أداء الطفل الأكاديمي بسبب التشتت والقلق.
4- مشكلات صحية ونفسية تظهر عليهم مثل: الأرق أو مشاكل في الأكل.
تحديات اجتماعية
ويضيف د. خالد السرحان قائلاً: إن الأطفال في حالة الانفصال يواجهون تحديات اجتماعية تتمثل في صعوبة التكيف مع الوضع الجديد، ويعانون من العزلة الاجتماعية أو صعوبة في بناء العلاقات، وفي حالة الانفصال يمكن التغلب على المشكلات التي توجه الأطفال عن طريق:
1- تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال.
2- تعزيز التواصل بين الوالدين من أجل مصلحة الطفل.
3- توفير بيئة مستقرة وآمنة للأطفال.
ومن الجهات المعنية في تقديم المساعدة للتغلب على هذه المشكلات التي توجه الأطفال:
1- وزارة التعليم بتوفير الدعم الأكاديمي والنفسي.
2- وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية بتقديم الدعم الاجتماعي والنفسي.
3- الجمعيات الخيرية بتقديم المساعدة والدعم للأسر والأطفال المتأثرين.
وبشكل عام إن التعامل مع آثار انفصال الوالدين يتطلب تضافر الجهود من الأهل والمجتمع والجهات المعنية لتوفير بيئة صحية ومستقرة للأطفال، مما يساعدهم على التغلب على التحديات والنمو بشكل سليم.
اضطرابات النوم
ويبين الدكتور عزت عبدالعظيم استشاري الأمراض العصبية والنفسية بالرياض أن اضطرابات النوم لدى الأطفال هي المرآة التي تعكس الحالة النفسية للطفل فإذا كان هناك ضغوط وصراعات نفسية أو إحباطات لدى الطفل فإن هذا يجعله يصاب بالاكتئاب النفسي ولأن الطفل غير قادر على التعبير عن مشاعره وأحاسيسه وانفعالاته مثل الشخص البالغ، ومنها مشاهدته للخلافات المستمرة بين والديه، وربما تتفاقم المشكلة عند انفصالهم وطلاقهم، حيث إن البعض من الأطفال تزداد حالته النفسية سوءاً، مشيرا إلى أن الحالة النفسية المضطربة تنعكس عليه أثناء النوم فيصاب بأي نوع من اضطرابات النوم، وربما أكثر من نوع في آن واحد، لذا يجب الاهتمام بالجانب النفسي للطفل وعدم إهمال تلك الأمور إذا حدثت لا قدر الله للطفل واللجوء للعلاج النفسي حتى ينعم أطفالنا بالراحة والاستقرار النفسي لأنهم فلذات أكبادنا التي تمشي على الأرض وراحتهم من راحتنا وسعادتهم هي سعادتنا.
صدمة نمائية
وتنبه الدكتورة سارة السلمي، دكتوراه الفلسفة في التربية (أصول التربية) إلى أن تأثير الانفصال على الأطفال ليس مجرد حدث عابر، بل هو سلسلة من التفاعلات النفسية والكيميائية التي تؤثر على نمو الدماغ وتشكيل الشخصية لفهم هذا التأثير بشكل أعمق، يجب النظر إليه كـ«صدمة نمائية» تتفاوت حدتها حسب عمر الطفل وبيئة الانفصال، ومن تأثيرات الانفصال على الأطفال ما يلي:
1- التأثيرات النفسية والعاطفية (الجرح غير المرئي):
يعاني الطفل في مرحلة الانفصال من صراعات داخلية عميقة، أبرزها:
* عقدة الذنب: يميل الأطفال (خاصة دون سن العاشرة) إلى الاعتقاد بأنهم السبب في المشاكل بين والديهم، مما يولد شعوراً مزمناً بالذنب.
* قلق الانفصال المفرط: يتولد لدى الطفل خوف دائم من فقدان الطرف المتبقي معه، مما يظهر على شكل «تعلق مرضي» أو خوف من الغرباء.
* فقدان الثقة في العلاقات: في المدى البعيد، قد يواجه الطفل صعوبة في بناء علاقات مستقرة مستقبلاً، نتيجة تشوه مفهوم «الأمان الأسري» لديه.
-2 التأثيرات المعرفية والدراسية:
لا يقتصر التأثير على المشاعر، بل يمتد إلى القدرات الذهنية:
* تشتت الانتباه (Cognitive Overload): ينشغل عقل الطفل بمحاولة استيعاب التغيير المفاجئ، مما يقلل من قدرته على التركيز في التحصيل العلمي.
* انخفاض الدافعية: قد يشعر الطفل بلا جدوى النجاح في ظل «انهيار» أسرته، مما يؤدي إلى تراجع حاد في الدرجات الدراسية.
3- التأثيرات السلوكية (لغة الجسد والفعل)
يعبر الأطفال عن ألمهم بطرق مختلفة تختلف باختلاف الجنس والعمر:
* السلوك الارتدادي: مثل العودة للتبول اللاإرادي أو التحدث بأسلوب طفولي جداً (كوسيلة لا شعورية لجذب الانتباه والرعاية).
* العدوانية أو الانطواء: قد يفرغ الطفل غضبه في أقرانه بالمدرسة، أو ينطوي تماماً على نفسه هرباً من الواقع.
4- الفروق العمرية في استجابة الطفل للانفصال.
5- التأثير الفسيولوجي (الجهاز العصبي).
تثبت الدراسات أن الضغط النفسي المستمر يرفع مستويات هرمون الكورتيزول في جسم الطفل، وهو ما قد يؤدي إلى:
* ضعف جهاز المناعة (كثرة الإصابة بالأمراض).
* تأثيرات سلبية على منطقة «الحصين» في الدماغ، وهي المسؤول الأول عن الذاكرة والتعلم.
ولابد أن ندرك أن التأثير ليس حتمياً؛ فالأطفال الذين يعيشون في بيئة «انفصال هادئ» (Co-parenting) يظهرون مرونة نفسية تضاهي أقرانهم في الأسر المستقرة. العبرة ليست في الانفصال بحد ذاته، بل في جودة العلاقة بين الوالدين، لأن المرونة النفسية للطفل وقدرته على التكيف تعتمد بشكل مباشر على نضج الوالدين بعد الانفصال. عندما يشعر الطفل أنه لم يفقد أياً من والديه (رغم انفصالهما)، تتقلص حدة المشكلات السلوكية والنفسية بشكل ملحوظ. إن انفصال الوالدين، لا يعني بالضرورة ضياع مستقبل الطفل حيث تشير الأبحاث إلى أن طريقة إدارة الانفصال هي العامل الحاسم في تحديد مدى عمق الآثار الجانبية.
إدارة الانفصال
وتؤكد الدكتورة سارة السلمي على إنه يمكن التغلب على المشكلات النفسية والسلوكية التي تواجهه الأطفال من خلال ادارة الانفصال بشكل جيد كما يلي:
1- الاستقرار العاطفي والنفسي:
* التواصل الصريح والبسيط: إخبار الطفل بقرار الانفصال بشكل مشترك دون إلقاء اللوم على طرف، مع التأكيد المستمر على أن حب الوالدين له لن يتغير.
* عزل الطفل عن الصراعات: تجنب استخدام الطفل كوسيلة ضغط أو رسول لنقل الرسائل السلبية بين الطرفين.
* ثبات الروتين: الحفاظ على مواعيد النوم، الطعام، والزيارات يمنح الطفل شعوراً بالأمان في عالم مضطرب.
2- التميز الدراسي والسلوكي:
* التنسيق مع المدرسة: إبلاغ المرشد الطلابي بالوضع الجديد لمراعاة التغيرات السلوكية أو التراجع الأكاديمي المفاجئ.
* التعزيز الإيجابي: التركيز على إنجازات الطفل مهما كانت صغيرة لرفع تقديره لذاته الذي قد يهتز بسبب الانفصال.
3- التكيف الاجتماعي والصحي:
* تشجيع الهوايات: إشراك الطفل في أنشطة جماعية (رياضة، فنون) لبناء شبكة دعم اجتماعي بعيداً عن جو المنزل المشحون.
* المراقبة الصحية: الانتباه لأي أعراض جسدية ناتجة عن ضغوط نفسية (مثل فقدان الشهية أو الأرق) واستشارة مختص فوراً.