إن ما يشهده القطاع العقاري السعودي اليوم هو تجسيد لـ»التوازن الذكي»؛ نمو مدفوع بالطلب المحلي، ودعم بفرص استثمارية خارجية، وحوكمة صارمة تمنع الاحتكار وتكبح التضخم، وسط عالم تتقاذفه أمواج الاضطرابات الجيوسياسية، لتبرز المملكة العربية السعودية فيها كـ«قلعة للاستقرار» ومختبرٍ لنجاح السياسات الهيكلية الطموحة. فكان منها القطاع العقاري «الابن البار» والرابح الأكبر ضمن حراك «رؤية 2030» استثناءً من هذه القاعدة، ما حولته من سوقٍ يواجه تحديات تقادم التشريعات وفجوة العرض، إلى قطاعٍ يتسم بالشفافية والنمو المتوازن، مروضاً تضخم الأسعار ومحققاً أرقاماً قياسية في تملك المواطنين للمساكن.
فعندما انطلقت الرؤية في عام 2016، كانت نسبة تملك الأسر السعودية للمساكن تقارب 47 %، وكان الوصول إلى نسبة 700 % بحلول 2030 طموحاً يراه البعض بعيد المنال، غير أن لغة الأرقام في 2025 جاءت لتؤكد كفاءة التنفيذ؛ فقفزت النسبة إلى 66.24 %، مُتجاوزة المستهدفات المرحلية بفضل انتقال أكثر من 850 ألف أسرة إلى منازلها، وذلك بفضل من الله ثُم تضافر برامج التمويل المبتكرة، وضخ المعروض الوحدات السكنية في كافة مناطق المملكة، وتطوير البنية التحتية التي جعلت «الحياة اليومية داخل البيت السعودي» تتسم بالجودة والاستدامة.
ولكبح التضخم.. تتدخل الدولة لترجيح كفة التوازن، فبعد أربع سنوات من الصعود المستمر، شهد نهاية 2025 وبدايات ما بعدها، انعطافة تاريخية في مسار الأسعار، ولأول مرة منذ 2022، سجلت أسعار العقارات السكنية تراجعاً سنوياً بنسبة 3.6 % في الربع الأول، مدفوعة بانخفاض أسعار الأراضي السكنية..
هذا التراجع هو «المدى» الحقيقي لتدخل الدولة؛ فمن خلال أدواتٍ تنظيمية صارمة وذكية، مثل رسوم الأراضي البيضاء، وتثبيت الإيجارات في العاصمة الرياض لمدة 5 سنوات، وزيادة وتيرة المشاريع الكبرى، نجحت الحكومة في امتصاص الضغط التضخمي. وكانت الرياض، التي قادت موجة الصعود سابقاً، العنوان الأبرز لهذا التصحيح بتراجعٍ وصل إلى 4.4 %، مما يثبت أن حملة كبح التضخم بدأت تؤتي ثمارها لصالح المستهلك النهائي.
وبينما تعيد الاضطرابات الإقليمية رسم خارطة الاستثمار، يفتح «الترميز العقاري» أبواب العالمية في خطوة تنظيمية مرتقبة، سيسهل تملك المسلمين من جميع أنحاء العالم للعقارات في مكة المكرمة والمدينة المنورة عبر منصات رقمية آمنة تعزز من جاذبية الاستثمار العقاري، وتخدم المستهدفات الكبرى برفع طاقة الاستيعاب لزوار الحرمين الشريفين إلى أكثر من 42 مليون زائر لمكة بحلول 2030. إضافة لهجرة رؤوس الأموال نحو الأمان السعودي أنعشت السوق بنسب نمو تراوحت بين 20 % و30 %، مدفوعة بمصدات مالية متينة واستقرار أمني وسياسي فريد.إن المملكة اليوم ليست مجرد سوق عقاري، بل هي «ملاذ آمن» للشركات العالمية والمستثمرين الذين يبحثون عن بيئة محصنة ضد الصدمات الخارجية. هذا التدفق الاستثماري رفع عوائد الإيجارات وزاد من إشغال الوحدات الفندقية والسكنية، مما كرّس مكانة المملكة كوجهة استثمارية لا بديل عنها في المنطقة. ولأن الرؤية لا ترضى بأقل من التميز، تأتي «جائزة التميز العقاري» (REA) بالتعاون مع الاتحاد الدولي للعقار، لتشكل منصة تنافسية تحفز المطورين والمبتكرين. لتغطي 25 فئة، من حلول الإسكان المستدام إلى التكنولوجيا العقارية، وتهدف إلى نقل المشاريع السعودية إلى الساحة العالمية، يضمن أن التوسع العمراني لا يتم على حساب الجماليات أو البيئة، بل يؤسس لمدنٍ ذكية تليق بطموح الإنسان السعودي.
** **
- عمار الزغيبي