السموأل محمد إبراهيم
في مشهد يليق بمقامات الفخر وتظلله مهابة الإنجاز، حيث تتعانق معاني العزيمة مع ثمارها الناضجة، جاءت رعاية صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود بن عبدالعزيز آل سعود لتضفي على هذا الحفل بهاءً خاصاً، وتسكب عليه من عنايته الكريمة ما يجعله لحظة استثنائية في سجل الإنجاز. كان ذلك مساء يوم الأربعاء الموافق 22 أبريل 2026، وفي رحاب جامعة سليمان الراجحي، حيث تصاغ الأحلام علماً، وتهذب الطموحات قيماً، احتفي بتخريج الدفعة الثانية عشرة من أبنائها وبناتها، من كليات الطب والجراحة والتمريض والمختبرات الطبية وإدارة الأعمال؛ في لوحة تتلألأ فيها سنوات الجد والاجتهاد، وقد تكللت بفرح مستحق، وإنجاز يزهر وعدا بمستقبل أكثر إشراقاً، وقد ازدان المشهد بسماء ملبدة بغيوم وادعة، تتهادى منها زخات المطر رحمة وخيراً، كأنها تومئ بأن العلم نور، وأن طريقه طريق رحمة وعطاء.
لم يكن هذا الحفل مجرد مناسبة عابرة، بل كان تتويجاً لسنوات من الجد والاجتهاد، تجسدت خلالها شعارات لم تكن حبراً على ورق، بل واقعاً حياً نابضاً عاشه الطلاب في قاعات المحاضرات، ومعامل التطبيق، وممرات مستشفيات التدريب. شعارات مثل: (خريج متميز بقيم راسخة، وبصمة فخر، ومن نور العلم أشرقنا، وبالقيم نسمو وبخريجنا نعتز، نحن الأثر...) كلها لم تكن كلمات تردد، بل مبادئ تغرس، وسلوكاً يمارس، ورسالة تحمل إلى المستقبل.
في محيا الخريجين ارتسمت سير الصبر كأنها سطور مضيئة، وتجلت ملامح الظفر في نظرات تنبض يقينا بما صنع وأنجز. وفي عيون أولياء أمورهم أشرقت دموع الفرح، تختصر أعواما من السند الصادق والدعاء الخفي، كأنها وسام فخر يلمع على جبين الرحلة. أما أساتذتهم فقد غمرتهم سكينة العارفين بثمرة غرسهم، تلك السكينة التي لا تهدى إلا لمن رأى بذور العلم وقد أينعت إنجازاً يسر الخاطر. وعلى مقربة من ذلك المشهد، وقفت قيادات الجامعة ومنسوبوها شهوداً على حكاية نجاح نسجت بخيوط الكدح، وسقيت بعرق المثابرة، وعلى رأسهم سعادة الدكتور محمد بن عبدالله المحيميد، الذين تابعوا فصولها منذ البدايات، حتى اكتمل عقدها بفرحة تليق بمقامها، وتبقى أثراً لا يمحى في الذاكرة. كانت الوجوه جميعها تنطق بلسان واحد: قد ألقينا البذر صبراً ويقيناً، فإن أوان الحصاد زهوا وامتلاء؛ وبذلنا من الجهد ما أضنى، ومن السهر ما أطال، حتى أقبل النجاح إلينا متوجاً بفرح عظيم، له في القلوب صدى، وفي الأرواح بهجة لا تزول.
إلى أبنائنا وبناتنا الخريجين: هنيئاً لكم هذا الإنجاز الذي لا يقاس بالشهادة وحدها، بل بما تحمله قلوبكم من قيم، وعقولكم من علم، وأرواحكم من طموح. أنتم اليوم تقفون على أعتاب مرحلة جديدة، تختبر فيها المبادئ، وتصقل فيها الخبرات، ويبنى فيها الأثر الحقيقي. تذكروا أن العلم بلا قيم كجسد بلا روح، وأن النجاح الحقيقي لا يكون بما تحققونه لأنفسكم فحسب، بل بما تقدمونه للإنسانية من حولكم. ومن اختار منكم المهن الصحية، فأنتم تحملون رسالة سامية، أنتم ملائكة الرحمة على الأرض، تخففون الألم، وتزرعون الأمل، وتداوون الجراح بإذن الله قبل مهارتكم. فليكن الإخلاص رفيقكم، والرحمة منهجكم، والتعلم المستمر زادكم. ومن توجه إلى ميادين الأعمال والإدارة، فليكن الصدق أساس قراراتكم، والابتكار طريقكم، وخدمة المجتمع غايتكم. اصنعوا فرقاً، واتركوا أثراً، وكونوا قادة يشار إليهم بالبنان لا بالمناصب بل بالمواقف والأفعال. فما أجمل أن يذكر الإنسان لا بما تقلده من مواقع، بل بما قدمه من إنجازات ومواقف تخلد أثره وتعلي قيمته.
كونوا كما أرادتكم جامعتكم: أثراً لا يمحى، وبصمة تلهم، وقصة نجاح تروى. ليكن وطنكم فخوراً بكم، ولتكن المملكة العربية السعودية شاهدة على إنجازاتكم، ولتظل جامعتكم وأولياء أموركم يرون فيكم الامتداد الجميل لما بدأوه.
وفي الختام: كأنني أسمع في ملامحكم صدى أبيات تقال دون صوت، وتكتب دون حبر: (لن ننسى أياماً مضت لن ننسى ذكراها). ثم تمضي التحية خالصة، مضمخة بالمحبة والامتنان، إلى كل من غرس في النفوس شجرة العلم، وسقى جذورها بالحكمة والرعاية، فأنبتت أجيالاً تثمر عطاءً ونماءً في أرض الوطن. أولئك قوم اصطفاهم الله لرفعة الأثر، وخصهم بجميل الجزاء، فجعل ما قدموا صدقات جارية، تتنامى آثارها، وتعلو بها درجاتهم ما دام في الأرض علم ينتفع به وخير يهتدى بنوره.