منصور ماجد الذيابي
كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن خلال الأسبوع الماضي أن الولايات المتحدة الأمريكية ستبدأ بتطبيق ما سمَّاه مشروع الحرية في مضيق هرمز، حيث تتواجد الأساطيل الأمريكية قبالة السواحل الإيرانية في بادرة إنسانية حسب وصف ترامب بهدف تحرير البحّارة والسفن العالقة في المضيق؛ نتيجة لظروف الحرب مع إيران التي أوضحت لاحقاً بأن أي تدخل أمريكي في نظام مضيق هرمز سوف تعتبره إيران انتهاكاً لوقف إطلاق النار، وبالتالي فإن السفن الأمريكية ستكون أهدافاً مشروعة للقوات البحرية الإيرانية إذا ما اقتربت من المضيق وفقاً لما صرّح به رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، مؤكداً أن إيران ستحافظ على المضيق وتديره بكل قوتها، ومشدداً في ذات الوقت على ضرورة تنسيق الدول المالكة للسفن التجارية مع إيران لضمان العبور الآمن في مضيق هرمز.
وهنا نتساءل عن كيفية أن يكون العبور آمناً في الوقت الذي تفرض إيران رسوماً باهظة على كل سفينة تقترب من المضيق البحري وتريد العبور باتجاه البحار والمحيطات، وتجبرها على دفع الرسوم مقابل العبور أو تعطيل عملية الإبحار وحركة الملاحة بمنعها من عبور المضيق في انتهاك واضح وصارخ لاتفاقية قانون البحار الذي ينص على حق المرور الآمن للسفن الأجنبية عبر البحر الإقليمي، والذي يتضمن كذلك حرية الملاحة في المنطقة الاقتصادية وأعالي البحار!
ووفقاً لمصادر إعلامية فإن مضيق هرمز يُعد ممراً مائياً دولياً يخضع لنظام «المرور العابر» بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، مما يضمن حرية الملاحة للسفن والناقلات دون عوائق وضرائب جمركية. وبالتالي فإنه لا يحق لإيران كدولة مطلة على المضيق أن تفرض رسوماً على السفن العابرة أو تغلق المضيق وتحتجز السفن التجارية. كما ولا يحق لإيران حسب القانون ذاته تعطيل حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز باعتباره ممراً دولياً طبيعياً مع احتفاظ إيران وسلطنة عمان بحقهما في ممارسة سيادتهما على المياه الإقليمية لكل منهما غير أن تلك السيادة وفقاً لقانون البحار تكون مقيدة بضمان حرية الملاحة الدولية في الممر المائي دون فرض رسوم على عبور السفن.
من خلال هذه المعطيات حول قانون البحار نفهم أن مشروع الحرية الذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي مؤخراً ليس جديداً في مضمونه كما وأن قانون البحار بأكمله لا يختلف عن قانون السماء من حيث أن البحار والمحيطات لا تخضع لمفهوم السيادة والسيطرة وفرض الجباية والرسوم الجمركية على السفن العابرة إذ إنه بالرجوع إلى حقبة ما قبل العصور القديمة نجد مثلاً أن سفينة نوح - عليه السلام - كانت تجوب البحار والمحيطات وترسو في أي مكان دون أن تتعرض للإيقاف والاحتجاز والمطالبة بدفع رسوم جمركية مقابل عبور البحار والممرات المائية.
فقط نفهم أن الجديد في مشروع الحرية هو تلك «المبادرة الإنسانية» التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي لأجل مساعدة الدول الأخرى في عبور السفن وإنقاذ طاقم البحارة العالقين في المضيق من قبل قوات البحرية الإيرانية، ولكننا نتساءل ونريد أن نعرف سبب اختفاء مبادرة ترامب الإنسانية خلال فترة احتجاز إسرائيل لجميع نشطاء السلام ممن كانوا على متن سفينة أسطول الصمود العالمي التي رست قبالة سواحل غزة على البحر الأبيض المتوسط لكسر الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة المحاصر منذ سنوات ، والذين تعرضوا وفقاً لمصادر مؤكدة للتعذيب خلال فترة احتجازهم لمجرد مطالبتهم بفك الحصار وإيقاف المجازر التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلية ضد المدنيين الفلسطينيين ومن بينهم الأطفال والنساء؟!
فلماذا تحدث مثل هذه الازدواجية في المعايير الغربية حتى فيما يتعلق بعبور السفن التي لا تحمل شحنات أسلحة وإنما تحمل فقط نشطاء سلام جاءوا من كل دول العالم للمطالبة بفك الحصار عن قطاع صغير تعرّض خلال السنوات الثلاث الماضية لعمليات إبادة جماعية وتجويع وتهجير، بل إن السلطات الإسرائيلية منعت حتى عبور الشاحنات المحمّلة بالمساعدات الغذائية والدوائية العاجلة للشعب الفلسطيني المحاصر وعطّلت دخول المساعدات من خلال معبر رفح ومعبر كرم أبو سالم.
فلماذا لم تعلن الولايات المتحدة الأمريكية حينذاك عن مشروع حرية العبور والمرور عبر المعابر الآنفة الذكر لدخول المساعدات الغذائية والدوائية للمحاصرين، ولماذا لم تتقدم الدول الأوروبية بمبادرة إنسانية مماثلة لتلك التي أعلن عنها ترامب في مضيق هرمز للسماح بمرور شحنات النفط إلى أمريكا والدول الأعضاء الأخرى في حلف شمال الأطلسي.
لماذا كل هذه الازدواجية الأمريكية فيما يتعلق بعبور ناقلات النفط والتزام الصمت التام إزاء منع إسرائيل السماح لناقلات المواد الغذائية بالعبور؟ وهل السفن الناقلة للنفط والغاز أكثر أهمية من قوافل المساعدات الغذائية بالنسبة لأمريكا وبعض الحلفاء الأوروبيين؟!
يعلم العالم بأسره أن حلف شمال الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ينادي بحقوق الإنسان في العلن ويتبنى سرّاً سياسة المعايير المزدوجة في التعامل مع الأحداث والأزمات الإنسانية في الشرق الأوسط كما أوضحت في مقال سابق بعنوان «ازدواجية المعايير الغربية والقضية الفلسطينية».