المدينة المنورة - خاص بـ«الجزيرة»:
أكد الدكتور عبدالله بن محمد الجارالله رئيس اللجنة التنفيذية وعضو مجلس الإدارة للمقارئ القرآنية أن من الأسباب الرئيسة لوجود المقارئ القرآنية حاجة الساحة القرآنية في القراءة والإقراء إلى عمل علمي قائم على التخطيط المحكم والعمل المتخصص الذي ينظمها ويرشدها وسعيا إلى العمل على إيجاد مرجعيات علمية معتبرة تنفع الأمة في علم القراءة والإقراء، مشيراً إلى أن المقارئ القرآنية تسير -ولله الحمد والشكر- بخطى ثابتة في المسار الصحيح لتحقيق أهدافها وبرامجها المرسومة، حيث بلغ عدد الذين استفادوا أكثر من ألف معلم ومعلمة من مختلف دول العالم من المقارئ القرآنية التي يقوم عليها نخبة ثرة من العلماء والقراء المتخصصين في القرآن الكريم وعلومه.
الدروس المستفادة
وكشف لـ«الجزيرة» الدكتور عبدالله الجارالله رئيس اللجنة التنفيذية الدروس المستفادة من تجربة المقارئ القرآنية حيث العمل على اعتماد المنهجية الأصيلة (القائمة على الضبط والاتقان)، هذه المنهجية شرحها العلماء في كتبهم؛ وفعلها العلماء في سيرتهم ومسيرهم مع مشايخهم، وذلك بأن تكون المرحلة الأولى؛ ضبط الحفظ وإتقانه، ثم الترقي في مراتب المهارة والإتقان؛ من جهة المهارات الأدائية، والأحكام التجويدية، وحفظ متون الدراية المتعلقة بضبط الرواية؛ لنضمن في تلك المرحلة الأولى تخريج حفاظ ومقرئين أمناء على القرآن الكريم تعليماً وإقراءً، فإذا قرأ قرأ بعلم، وإذا تكلم تكلم بعلم، وإذا سئل أجاب بعلم، وهذه المنهجية تم اعتمادها مع طلاب بدأوا من الصفر، ومن كل الجنسيات، بفضل الله تعالى ثم بفضل المنهجية العتيقة؛ وصلوا إلى أعلى مراتب التحقيق والضبط والإتقان، وصاروا مرجعا في كل ما يتعلق بالرواية التي تلقوها وأسندوها. (عبدالله وكيف أنه يأتي بالشواهد..)... وزاكيرووف، وأبو فارس، ومفتاح العارفين؛ كما تم التوكيد على عدم الاستعجال في تكثر المخرجات، وتركيز الأمر على النوعية؛ وكلام السلف في ذلك معلوم (كلام القاضي (يكفيني أن ألقى الله)؛ جلس ثماني سنوات..)، وكلام بدر الدين بن جماعة (قال الحافظ بدر الديِّن بن جماعة -رحمه الله-: ((كان علماء السلف الناصحون لله وديِّنه يلقون شبك الاجتهاد لصيد طالبٍ ينتفع الناس به في حياتهم ومن بعدهم، ولو لم يكن للعالم إلَّا «طالب واحد» ينفع الناس بعلمه وعمله وهديه وإرشاده لكفاه ذلك الطالب عند الله تعالى)). «تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم»).
التركيز الإستراتيجي
وأبان د. عبدالله الجارالله أن التركيز الإستراتيجي على المعلمين والمقرئين؛ ضرورة ملحة لأنهم هم الذين سيصنعون الأجيال؛ ولهذا فإن شعارات وملهمات المقارئ القرآنية نأخذها من النص القرآن الحكيم؛ فإن التركيز على الجماعة القليلة العدد واستفراغ الجهد معهم ولهم هو منهج القرآن في طلب العلم والفقه في الدين: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ}. لدينا: عبدالرحمن القرقيزي؛ وهو يدرس: شيخنا، ويدرس الناس مكاني، وعبدالله الأمريكي؛ الآن أصبح مرجعاً لأخواته الثلاث، وإحداهن ختمت، وهي مثله في الضبط والإتقان، وأخذت عنه الضبط حرفا بحرف والأخرى في سورة الأعراف مجتبى من السنغال؛ أصبح مرجعاً قوياً للمعهد ولأسرته؛ يقرؤون عليه وستفيدون منه، وهو يدرس بعض الطلاب، وبدأ يقرأ إخوانه؛ د. مصلح الردادي..، عمر البريطاني، زهرة العين، مفتاح العارفين؛ أصبح مرجعاُ مهما في القراءات وعلومها، وقد استغرق معنا رحلات كثيرة؛ فأحاط علما بالقراءات على المنهجية الأصيلة، وبدأ يشرح ويقرئ، والحقيقة أني الآن احتاجه في بعض المسائل التي أنا لا أجد لها جوابا، بل إنه قد استدرك على محقق كتاب الغيث مواضع عديدة، وشرح الجزرية، وتحفة الأطفال، والآن يشرح التحفة السمنودية، ، وغيرهم كثير.
المقصود الأسمى
وشدد رئيس اللجنة التنفيذية للمقارئ القرآنية على أن تربية الطلاب وحفاظ القرآن والدارسين على أن المقصود من قراءة القرآن وعرضه؛ سواء في الحفظ أو في الإجازة والسند، أن المقصود هو أن تكون هذه المجالس معينة على المقصود الأسمى من نزول القرآن وهو تدبره وفهم معانيه ثم العمل به. وذلك لأن منهجية الإقراء تقوم على الإقراء على مرتبة الترتيل؛ وهي المرتبة التي اختارها الله عز وجل {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا}، وأمر بها رسوله {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}، وأمر بها القرآن {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ}، {لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ}، ومنهجية الترتيل؛ منهجية التؤدة والتمهل تؤدي إلى: تثبيت الفؤاد، كما أن العمل على العناية بأن تكون البرامج والمبادرات متوافقة مع الحاجة الميدانية؛ فلا يجوز أن أبدأ بالروايات والطلاب والطالبات في الحلقة أو الحلقات لم يصلوا إلى مراتب الضبط والإتقان للرواية المشهورة، ولا يجوز أن أشغل الطلاب والحفاظ بالأسانيد والإجازات ومجالس السماع، وهم لازالوا لم يتجاوزا المراحل الأولية. قال الوليد بن مسلم (ت 195هـ) -رحمه الله-: ((كنا إذا جالسنا الأوزاعي (ت 157هـ)، فرأى فينا حَدَثًا قال: يا غلام قرأت القرآن؟ فإن قال: نعم، قال: اقرأ: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ}، وإن قال: لا، قال: اذهب تعلَّم القرآن قبل أن تطلب العلم)).
منهجية المقارئ
وأوضح د. عبدالله الجارالله أن منهجية المقارئ القرآنية تقوم على التواضع للعلم؛ وهي منهجية السلف الصادقين، قال خَلَفُ بنُ الْوَليدِ (ت 212هـ): ((جاءَنِي أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (ت242هـ ) يَسْمَعُ حَدِيثَ أبِي عَوانَةَ، فاجْتَهَدْتُ أنْ أرْفَعَهُ، فَأبى، وقالَ: «لا أجْلِسُ إلّا بَيْنَ يَدَيْكَ، أُمِرْنا أنْ نَتَواضَعَ لِمَن نَتَعَلَّمَ مِنهُ»)) «الجامع لأخلاق الراوي»، وهذا التواضع من أكبر العلامات على أمانة الطالبين مع القرآن الكريم: (شيخنا مع القرقيزي، المكاشفي معي، عمار مع شبير)، وما حصل من ثمار هذا التواضع وهذه الأمانة. (أبو قلابة...)، وهي منهجية تربي وتعلم الطلاب الأدب والاحترام... الخ، مضيفاً أنه من الدروس المستفادة؛ عدم الاستعجال في صياغة المبادرات والمشاريع؛ مهما كان حجمها أو مهما كان وزنها؛ فيجب عند إعداد أي مبادرة أو برنامج -خصوصا إذا كان الأمر يتعلق بالتربية والتعليم- فيجب أن يستفرغ الوقت والجهد في صياغة تلك البرامج، وذلك بالبحث عن التجارب المماثلة والاطلاع عليها، واستشارة ذوي الرأي والخبرة المميزين، والعمل بروح الفريق والجماعة داخل المنشأة أو الصرح أو الإدارة، وبعد صياغة المبادرة من الأفضل عرضها على من تختارهم المنشأة لتقييمها وتحكيمها، لأن المشاريع والبرامج العلمية مهما كانت صغيرة أو قليلة فإنها تحدث أثراً كبيراً في نفوس المتلقين؛ خصوصاً في الفئات السنية الأصغر سناً، بل إن مشايخنا يقولون بأن الكتاب الذي يقرأه الطالب يحدث فيه أثراً سلباً أو إيجاباً، ولهذا فهم ينصحون الطالب بأن يتحرى عند شراء كتاب أو متن أن يتحرى عن اسم المؤلف واسم المحقق بل حتى دار النشر ومادة الورق المطبوع، كما أن من ثمار هذه المنهجية بكل تفاصيلها؛ أنها أصبحت مرجعاً لا غنى عنه لكل من يبحث تجربة معتبرة معتمدة؛ مما يدل دلالة أكيدة على أن البرامج والمشاريع التي تأخذ حظها من الدراسة والإعداد والتحضير هي المادة التي تبحث عنها المؤسسات القرآنية فلنا شراكات مع المسجد النبوي والمسجد الحرام وكلية القرآن وجمعيات العمل الخيري؛ كجمعية مكنون، وجمعية تكافل وغيرهما، وحتى من خارج المملكة تجد بعض الناس يكون لديهم المال والرغبة في خدمة القرآن الكريم ويبحث عن شيء يليق بالإمكانات فتجد أنهم يجعلون في الأولوية المقارئ القرآنية.
استقطاب العلماء
وأفاد د. عبدالله الجارالله رئيس اللجنة التنفيذية للمقارئ القرآنية أن من ثمرات المشاريع التي تأخذ حظها من الدراسة والمراجعة وتأخذ حظها من العرض على أهل الخبرة والتخصص؛ أنها تكون سببا في استقطاب الكبار من العلماء والمتخصصين؛ سواء المشاركة العلمية أو للزيارة واللقاءات الدورية، (الأخضر، الحذيفي، الزعبي، السالم الجكني، الحميري، يوسف شفيع، السديس، محمد سيدي الأمين، عميد كلية القرآن، وكلاء كلية القرآن، وقائمة طويلة...)، كما تكون محط ثقة المؤسسات الخيرية القرآنية؛ وقد عقدت المقارئ القرآنية شراكات مع عديد من المؤسسات منها: مؤسسة الأمير سلطان الخيرية؛ ينص على قيام المقارئ القرآنية بتنظيم برنامج علمي للفائزين في مسابقة الأمير سلطان للقرآن الكريم والتي تقام في عدة قارات منها قارة آسيا؛ والحقيقة أن هذه الاتفاقية كانت سبباً في خير عظيم ونهضة قرآنية انتشرت كل في مكانه ومؤسسته، فمثلاً: عبدالرحمن زاكيروف من (قيرغستان) يعلِّم القرآن في المسجد النبوي: لحذيفة من (تونس)، وعمر من (بريطانيا)، ومحمد وعبدالله كلاهما من (مصر)؛ إنها عظمة الدين؛ تتمثل في: عالمية القرآن، وعالمية الدين، وعالمية المسجد الشريف، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}.
والحافظ (طه الشيباني كازوز)، أصغر المشاركين في برامج المقارئ القرآنية حفظ القرآن، وأتقن الحفظ، وزاحم الكبار، حتى صار في مقدمة ركب أهل القرآن، ليكمل الختمة برواية قالون عن نافع من طريق الشاطبية فهنئا له وهنيئا لوالديه ولمشايخه ما نال وما حصّل.