سعدون مطلق السوارج
في خضم التصعيد المتسارع الذي تشهده المنطقة، برزت مواقف خليجية حاسمة أعادت التأكيد على أن استقرار الإقليم لا يمكن أن يُبنى عبر توسيع ساحات المواجهة، بل عبر احتواء التوتر ومنع انزلاق المنطقة إلى صدامات مفتوحة. وفي المقابل، ظهرت محاولات متكررة لإنتاج روايات مضللة تسعى إلى الزج بدول الخليج في معادلات عسكرية لا تنسجم مع نهجها القائم على التهدئة، وحماية الاستقرار، ودعم المسارات السياسية الرامية إلى احتواء الأزمات بدلًا من توسيعها.
في هذا السياق، تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها أحد أكثر الأطراف إدراكًا لحساسية المرحلة، ليس فقط بحكم ثقلها السياسي والاقتصادي، بل لقدرتها على إدارة التوازن الدقيق بين حماية الاستقرار الإقليمي، ومنع تحوّل المنطقة إلى ساحة استنزاف مفتوح. وهذا ما يجعل المقاربة الخليجية الراهنة مختلفة عن كثير من المقاربات التقليدية التي كانت ترى في التصعيد أداةً لإعادة إنتاج النفوذ.
لقد دخل الشرق الأوسط اليوم مرحلة جديدة لم تعد القوة فيها تُقاس بحجم الجيوش وحدها، ولا بقدرة الأطراف على توسيع مساحات التوتر، بل بمدى قدرتها على التحكم في مفاصل الاقتصاد، والطاقة، وسلاسل الإمداد، والممرات الحيوية، وإدارة التوازنات الدولية المعقدة بأدوات أكثر هدوءًا... وأكثر تأثيرًا.
وهنا تحديدًا، تتشكل ملامح النظام الإقليمي الجديد، حيث يتحول مجلس التعاون لدول الخليج العربية تدريجيًا من إطار تنسيقي إلى مركز ثقل استراتيجي، يمتلك قدرة متزايدة على التأثير في معادلات الاستقرار الإقليمي والدولي معًا.
ولفهم عمق هذا التحول، لا بد من قراءة التطورات الأخيرة بوصفها جزءًا من مشهد أوسع. فالتوترات المرتبطة بـمضيق هرمز، وما رافقها من استهداف للبنية الحيوية في بعض دول الخليج، لم تعد تُقرأ دوليًا كأحداث أمنية معزولة، بل كاختبار مباشر لاستقرار الاقتصاد العالمي، في ظل الارتباط العميق بين أمن الخليج واستقرار أسواق الطاقة والتجارة الدولية.
وهنا ظهر التحول الأخطر في المشهد: الخليج لم يعد مجرد منطقة تتأثر بالأزمات، بل أصبح عنصرًا رئيسيًا في تحديد سقف هذه الأزمات وحدودها.
فأي اضطراب في المنطقة بات ينعكس فورًا على: أسعار الطاقة، حركة الأسواق، سلاسل الإمداد، والتوازنات الاقتصادية الدولية.
وهذا ما منح الخليج وزنًا يتجاوز بعده الإقليمي التقليدي، وجعل استقراره جزءًا لا يتجزأ من استقرار النظام الاقتصادي العالمي نفسه.
وفي قلب هذا التحول، تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها النموذج الأكثر اكتمالًا في إعادة بناء أدوات القوة الحديثة. فرؤية السعودية 2030 لم تعد مشروعًا اقتصاديًا فحسب، بل تحولت إلى منصة استراتيجية لإعادة تعريف النفوذ السعودي والخليجي، عبر تنويع الاقتصاد، وتوسيع القاعدة الاستثمارية، وتعزيز القدرة على إنتاج القيمة، وبناء شراكات دولية أكثر عمقًا وتأثيرًا.
هذا التحول يتجاوز الاقتصاد بمفهومه التقليدي؛ إذ يعيد صياغة العلاقة بين القوة والاستقرار. فكلما ازدادت قدرة الدولة على بناء اقتصاد متنوع ومتشابك مع النظام العالمي، ارتفعت تكلفة استهدافها، وتراجعت فعالية أدوات الضغط التقليدية ضدها.
وفي موازاة ذلك، تتشكل معادلة جديدة للطاقة في الخليج. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بالإنتاج والتصدير، بل بمن يمتلك القدرة على ضبط استقرار السوق العالمي، وضمان استمرار تدفق الطاقة في بيئة دولية شديدة الحساسية. ولهذا، فإن أي محاولة لاستخدام الممرات البحرية كورقة ضغط لم تعد شأنًا إقليميًا محدودًا، بل أصبحت تصطدم بشبكة مصالح دولية واسعة، تشمل قوى كبرى باتت ترى في استقرار الخليج ضرورة استراتيجية لا يمكن التفريط بها.
ومن هنا يمكن فهم الحضور الدولي المتزايد في المنطقة، سواء عبر الدعوات المتكررة لحماية الممرات الحيوية، أو عبر الاتصالات السياسية الهادفة إلى احتواء التصعيد، أو حتى عبر التحركات المرتبطة بضمان أمن الملاحة الدولية. فالمعادلة لم تعد: “أزمة في الخليج”
بل أصبحت: اختبارًا لاستقرار النظام الاقتصادي العالمي بأكمله.
في المقابل، يكشف السلوك المرتبط بإيران عن مأزق أعمق يتمثل في استمرار الاعتماد على أدوات نفوذ تنتمي إلى بيئة إقليمية تتغير بسرعة. فأنماط الضغط غير المباشر، والتلويح بإغلاق الممرات، ومحاولات فرض النفوذ عبر التصعيد المتدرج، تواجه اليوم بيئة أقل قابلية للتأثر، وأكثر قدرة على امتصاص الصدمات وإعادة توجيهها ضمن توازنات أكثر تعقيدًا.
وهنا يظهر الفارق بين نمطين من القوة:
الأول: قوة تعتمد على إنتاج التوتر وإدارته.
والثاني: قوة تعتمد على إنتاج الاستقرار وتحويله إلى نفوذ طويل الأمد.
وفي هذا التحول تحديدًا، يبدو الخليج - وفي مقدمته المملكة العربية السعودية - أقرب إلى بناء النموذج الثاني، عبر الجمع بين:
الاقتصاد، الطاقة، الاستثمار، الدبلوماسية، والقدرة على إدارة التوازنات المعقدة دون الانجرار إلى استنزاف مفتوح.
كما أن التحركات السياسية المتزامنة مع لحظات التصعيد تعكس إدراكًا خليجيًا متقدمًا لطبيعة المرحلة، حيث لم يعد المطلوب فقط مواجهة الأزمات، بل إدارة مساراتها، وفتح قنوات اتصال متعددة، ومنع تحوّل التوترات إلى صدام واسع يهدد استقرار المنطقة والممرات الحيوية والاقتصاد الدولي.
إن أخطر ما يجري في الشرق الأوسط اليوم ليس التصعيد ذاته، بل التحول الهادئ في تعريف القوة. فالقوة لم تعد مرتبطة بمن يطلق التهديدات الأكثر صخبًا، بل بمن يملك القدرة على:
الحفاظ على الاستقرار، التحكم في مسارات الاقتصاد، وصياغة البيئة التي تتحرك داخلها بقية الأطراف.
وهذا ما يفسر الصعود المتدرج للخليج بوصفه ليس مجرد كتلة اقتصادية، بل عقدة نفوذ إقليمية - دولية تتزايد أهميتها كلما ازدادت تعقيدات النظام العالمي.
وفي المحصلة، يبدو أن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة مختلفة تمامًا عن تلك التي عرفها لعقود. مرحلة لا تُحسم فيها موازين القوة عبر التوسع العسكري وحده، بل عبر القدرة على التحكم في مفاصل الاقتصاد والطاقة والاستقرار. وهنا تحديدًا، لا يبرز الخليج كمنطقة تتفاعل مع النظام الإقليمي القادم فحسب، بل كأحد الأطراف القادرة على صياغة قواعده الجديدة، وإعادة تعريف معنى النفوذ فيه، من خلال أدوات أكثر هدوءًا... وأكثر تأثيرًا، تقوم على صناعة التوازن، وتعزيز الاستقرار، وتحويل القوة الاقتصادية والدبلوماسية إلى نفوذٍ طويل الأمد يتجاوز حدود الإقليم نفسه.
** **
- باحث في التراث الكويتي والخليجي