مهدي آل عثمان
في الموروث العربي أمثال كثيرة لم تأتِ من فراغ، بل ولدت من تجارب الحياة، حتى أصبحت خلاصة لحكمة كل ذي عقل في تعاملاته مع الناس في المواقف وتقلبات الزمن. ومن أشهر تلك الأمثال قولهم:
«من يصنع المعروف في غير أهله.. يلقى الذي لقي مجير أم عامر».
تحكي الرواية أن «أم عامر» وهي ضبعاً كانت هاربة طريدة، احتمت برجل عربي فأجارها وأطعمها وآواها، لكنها ما إن استعادت قوتها وأحست بالأمان حتى انقضت عليه وقتلته، فأصبح المثل يُضرب لمن يقابل الإحسان بالجحود، والمعروف بالإساءة.
وعلى امتداد التاريخ، لم يكن هذا المعنى مقتصراً على الأفراد فقط، بل تكرر أيضاً في العلاقات بين الدول والشعوب، فكم من دولة وقفت مع غيرها في أوقات الشدة، ومدت يد العون والدعم والمساندة، ثم فوجئت لاحقاً بأصوات تتنكر لذلك التاريخ أو تحاول التقليل من تلك المواقف.
ومن يتأمل تاريخ المملكة العربية السعودية يجد أنها كانت ولا تزال إحدى أكثر الدول حضوراً في دعم محيطها في العالم العربي والإسلامي، وليس ذلك من باب الاستعراض السياسي أو تحقيق المكاسب الضيقة، بل انطلاقاً من قناعة راسخة بأن استقرار المنطقة مسؤولية مشتركة، وأن قوة الجوار من قوة الوطن، وأن أمن العالم العربي والإسلامي مترابط لا يتجزأ.
لقد وقفت المملكة عبر عقود طويلة مع دول العالم العربي والإسلامي في ظروف سياسية واقتصادية وأمنية بالغة التعقيد، وأسهمت في دعم الاستقرار، والمصالحة، وإعادة البناء، والتنمية، ومساندة الاقتصادات المتعثرة، وتحملت أعباء كبيرة خلال أزمات وحروب وصراعات شهدتها المنطقة على مدى سنوات طويلة.
ومع كثرة المشاكل في تلك المراحل، كانت المملكة تتحرك بهدوء الدولة الحكيمة، بعيداً عن المزايدات الإعلامية، فدعمت مشاريع البنية التحتية، وأسهمت في إنشاء الطرق والمرافق والخدمات، وساندت الحكومات والشعوب، وفتحت أبوابها للمتضررين، وقدمت الدعم الإنساني والإغاثي والتنموي، حتى أصبحت نموذجاً عالمياً في العمل الإنساني والخيري والتنموي.
ولم يكن ذلك الدعم مرتبطاً بفترة زمنية محددة، بل هو امتداد لنهج سعودي ثابت منذ عهد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود -طيب الله ثراه- ومن بعده أبناؤه الملوك رحمهم الله، وصولاً إلى هذا العهد الزاهر الميمون بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله- حيث أصبحت المملكة لاعباً محورياً في تعزيز الاستقرار الإقليمي والدولي، وصناعة التوازنات السياسية والاقتصادية.
وفي أوقات الحروب والأزمات التي مر بها العالم العربي والإسلامي، كانت المملكة غالباً في مقدمة من يتحمل مسؤولية الدعم السياسي والاقتصادي والإنساني، حفاظاً على وحدة الصف، ومنعاً لانهيار كثير من الدول أو تفكك مؤسساتها. كما كان لها دور بارز في تقريب وجهات النظر، ورعاية الاتفاقات، والمشاركة في جهود الإعمار والتنمية بعد انتهاء الصراعات.
ورغم ذلك، تظهر بين الحين والآخر أصوات تتجاهل كل هذا التاريخ، أو تحاول اختزال تلك المواقف العظيمة في خلاف عابر أو موقف سياسي مؤقت، وكأن التاريخ وذاكرة الشعوب يمكن أن تمحى بسهولة.
غير أن الدول الكبيرة لا تبني مواقفها على ردات الفعل، ولا تجعل من الجحود سبباً للتراجع عن رسالتها. فالمملكة تدرك أن دورها أكبر من أن يتأثر بضجيج عابر، وأن مكانتها الحقيقية صُنعت عبر عقود من الحكمة والثبات والعمل الصادق.
ولهذا تبدو المملكة أشبه بالنخلة التي تُرمى بالحجارة فلا تُسقط إلا الرُّطب.
وهو تشبيه يختصر فلسفة دولة اختارت أن يكون عطاؤها مستمراً، وأن تبقى يدها ممدودة للخير مهما تبدلت الظروف. فالنخلة لا تغير طبيعتها لأن أحدهم أساء إليها، وكذلك الدول العظيمة لا تتخلى عن مبادئها بسبب مواقف عابرة.
وفي خضم كل ما يُقال، وكل ما قد يصدر من أصوات الجحود أو محاولات التقليل من المواقف التاريخية للمملكة، يبقى العزاء الحقيقي أن نهج المملكة العربية السعودية لم يكن يوماً قائماً على انتظار الثناء، ولا متوقفاً عند إساءة عابرة أو موقف مؤقت. فالدول العظيمة تمضي وفق مبادئها ورسالتها، لا وفق ضجيج الآخرين.
واليوم، ونحن نعيش مرحلة التحول الكبرى في ظل رؤية المملكة 2030، يتجلى هذا النهج بصورة أوضح، فالمملكة لا تبني نفسها فقط، بل تسهم في صناعة مستقبل المنطقة بأكملها، عبر الاقتصاد، والاستثمار، والطاقة، والتنمية، والعمل الإنساني، والدبلوماسية المتوازنة، وصناعة السلام.
لقد أصبحت المملكة رقماً صعباً في المعادلة الدولية، ليس فقط بما تملكه من ثقل اقتصادي وسياسي، بل بما تمتلكه من مصداقية واحترام وثقة عالمية، نتيجة تاريخ طويل من المواقف المتزنة والدعم الصادق.
إن بعض الأصوات التي تتنكر لهذا التاريخ لا تغير من الحقيقة شيئاً، لأن الوقائع أكبر من حملات التشكيك، ولأن الشعوب الواعية تحفظ لمن وقف معها في المحن، حتى وإن حاول البعض تجاهلها.
إن أعظم ما يمكن أن تمتلكه الدول ليس القوة وحدها، بل الأخلاق في استخدام تلك القوة، والحكمة في إدارة النفوذ، والقدرة على الاستمرار في فعل الخير حتى مع وجود من لا يستحقه.
وهنا تحديداً يظهر الفرق بين دولة عابرة، ودولة تصنع التاريخ. فالدول العظيمة قد تتألم من الجحود، لكنها لا تتخلى عن رسالتها، لأنها تؤمن أن القيم لا تُمارس وفق ردود الأفعال، بل وفق المبادئ الراسخة.
وستظل المملكة - بإذن الله- راسخة الجذور، شامخة المكانة، باسقة العطاء، يستظل الناس بخيرها، وينعمون بعطائها، ولا يصدر عنها إلا الخير، ولا يُرجى منها إلا جميل الأثر وطيب العطاء.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها أمنها واستقرارها وعزها، وجعلها في مقدمة الدول والأمم، شامخة بقيادتها، رائدة برسالتها، مباركة بخيرها وعطائها.