د. عيسى محمد العميري
في توقيت بالغ الحساسية، جاءت الاعتداءات الإيرانية على دولة الإمارات العربية المتحدة لتطرح تساؤلات عميقة حول مغزى هذا التصعيد، خاصة أنه تزامن مع مهلة وقف إطلاق النار الأخيرة، وهي فترة يُفترض أن تسودها التهدئة وضبط النفس، لا إشعال التوترات وتوسيع رقعة الصراع. هذا التناقض بين الالتزامات المعلنة والسلوك الفعلي يعكس إشكالية أعمق تتجاوز الحسابات العسكرية، لتلامس أبعادًا سياسية وثقافية لا يمكن تجاهلها.
إن أي خرق لوقف إطلاق النار، خصوصًا عندما يستهدف دولة شقيقة في مجلس التعاون الخليجي، لا يمكن تفسيره في إطار الدفاع أو الردع، بل يفتح الباب أمام قراءة مختلفة، أقرب إلى كونها تعبيرًا عن موقف عدائي متجذر. فالإمارات، لم تكن طرفًا مباشرًا في التصعيد، ما يجعل استهدافها عملًا يفتقر إلى المبررات المنطقية، ويعزز فرضية أن الدافع يتجاوز السياسة إلى ما هو أعمق من ذلك.
إن هذه الاعتداءات تعكس، في جانب منها، حالة من التوتر الداخلي أو محاولة لتصدير الأزمات إلى الخارج كما تفعل إيران. فالتاريخ السياسي يُظهر أن بعض الدول تلجأ إلى التصعيد الخارجي كوسيلة لصرف الانتباه عن تحديات داخلية، أو لإعادة ترتيب أوراقها في ظل ضغوط متزايدة. لكن مثل هذه السياسات غالبًا ما تأتي بنتائج عكسية، حيث تزيد من عزلة الدولة المعنية، وتفقدها ما تبقى من مصداقية على الساحة الدولية. وفي المقابل، فإن الموقف الخليجي، الذي يقوم على التكاتف والتضامن، يبعث برسالة واضحة مفادها أن أي اعتداء على دولة عضو هو اعتداء على المنظومة بأكملها. هذا التماسك لا يقتصر على الجانب الأمني، بل يمتد ليشمل الدفاع عن القيم المشتركة، وفي مقدمتها دعم الثقافة والانفتاح والتنمية.
ختامًا، فإن ما جرى لا يمكن فصله عن صراع أوسع بين رؤيتين: رؤية تؤمن بالحوار والتعايش، وأخرى تُغذيها مشاعر الحقد والرفض. وبين هدنة السلاح وعداء الثقافة، تتضح معالم هذا الصراع، وتزداد الحاجة إلى التمسك بالنهج الذي يضع الإنسان، لا الصراع، في صدارة الأولويات.
اللهم احفظ خليجنا آمناً مطمئناً.
** **
- كاتب كويتي