د. رانيا القرعاوي
بعد أكثر من عشر سنوات في التواصل المؤسسي في العديد من المؤسسات والمشاريع بين الحكومي والخاص، لا أجد وصفا أدق من هذا المثل الشعبي لحالة كثير من المحتوى والاتصال المؤسسي اليوم.
العديد من الاجتماعات، جدول نشر ممتلئ شهريًا، تكرار كلمة «إستراتيجية» لأي فعالية أو حدث، ولكن عند انخراطك بالعمل تدرك أن الغالبية لا يملكون أكثر من خطط للنشر لا تمت للإستراتيجية بصلة.
وعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعي ساعد في الكثير من المجالات إلا أنه فاقم من مشكلة إنتاج محتوى بلا قيمة ولا اتجاه. فبعد حضور أي اجتماع نجد ما يثار ماذا سنقول أو كيف سنقول أو لمن سندفع أكثر، ويغيب السؤال المهم وهو لماذا نصنع هذا المحتوى أصلًا؟ وما الذي نريد أن يبقى في ذهن الجمهور بعد كل هذا النشر؟
وهنا يظهر الفارق الحقيقي بين «خطة النشر» و»الإستراتيجية»، كثير من الجهات تظن أن امتلاك تقويم للمحتوى وجدول للمناسبات العالمية يعني تلقائيًا امتلاك إستراتيجية اتصال. لكن الإستراتيجية الحقيقية لا تبدأ من المنشور، بل من الهدف. تبدأ من فهم الصورة الذهنية المطلوب بناؤها، والرسالة التي نريد ترسيخها، والسلوك الذي نحاول التأثير فيه، والقيمة التي نريد أن ترتبط باسم المؤسسة أو العلامة في ذهن الناس.
أما المحتوى، فهو مجرد وسيلة للوصول إلى ذلك.
ولهذا نرى اليوم جهات تنشر بكثافة لكنها لا تبني ثقة، وتنتج محتوى يوميًا دون أن تمتلك صوتًا واضحًا أو هوية يمكن تمييزها. الحضور موجود، لكن التأثير محدود، لأن المحتوى حين يُنتج بلا إستراتيجية يتحول تدريجيًا إلى ضجيج رقمي أكثر من كونه اتصالًا فعّالًا.
هناك علامات عالمية فهمت الفرق، شركة مثل «Nike» لم تبن حضورها الرقمي على مجرد الإعلانات أو كثافة المحتوى، بل على إستراتيجية واضحة تربط العلامة بالإلهام والتحدي وتمكين الأفراد. حتى عندما كانت تدخل في قضايا مجتمعية مثيرة للجدل، كانت تتحرك ضمن تموضع مدروس يخاطب جمهورًا محددًا ويعكس هوية متماسكة.
لكن الكثير من العلامات التي امتلكت ميزانيات ضخمة وحضورًا رقميًا كثيفًا، لكنها تراجعت لأنها تعاملت مع المحتوى باعتباره «واجب نشر» لا أداة لبناء الثقة والقيمة.
محليًا، يمكن ملاحظة هذا الفارق بوضوح في الطريقة التي قُدمت بها رؤية السعودية 2030 خلال السنوات الأخيرة. النجاح الإعلامي للرؤية لم يكن قائمًا على كثافة الرسائل فقط، بل على وجود سردية واضحة تربط المواطن بالأثر الذي يراه في حياته اليومية. الناس لم تتفاعل مع الأرقام بقدر ما تفاعلت مع التغيير الذي لمسوه في جودة الحياة، والسياحة، والترفيه، والفرص الاقتصادية، هنا كانت الإستراتيجية واضحة: لم يكن الهدف مجرد «النشر عن الرؤية»، بل جعل الناس يشعرون أنهم جزء منها.
الدراسات الحديثة تؤكد هذا الاتجاه أيضًا. تقرير صادر عن «Content Marketing Institute» أشار إلى أن المؤسسات التي تمتلك إستراتيجية محتوى واضحة وموثقة تحقق نتائج أعلى بشكل ملحوظ مقارنة بالجهات التي تعمل بطريقة عشوائية أو تعتمد فقط على الجداول التحريرية. كما أوضحت أبحاث متخصصة في المنصات الرقمية أن خوارزميات التفاعل تدفع كثيرًا من الجهات إلى مطاردة المحتوى السريع والمثير على حساب بناء القيمة طويلة المدى، ما يجعل بعض العلامات حاضرة رقميًا لكنها ضعيفة التأثير فعليًا.
برأيي أن الإعلام السنع لا يقيس نجاح الحملات بعدد المنشورات، بل بالأثر الذي يبقى بعد انتهاء الحملة. ولا يتعامل مع الجمهور باعتباره إحصائيات مشاهدات وإعادة نشر، بل باعتباره بحاجة لرسالة هادفة وواضحة.