مرفت بخاري
في لحظة هدوء عابرة، جلست أتأمل يومي، لا شيء استثنائي حدث، قهوة دافئة، حديث بسيط، مرور سريع بين تفاصيل الحياة، ومع ذلك، شعرت بشيء ناقص، ليس لأن اليوم كان فارغًا، بل لأنني لم أشاركه، لم أوثقه، لم ألتقط له صورة تثبت أنه كان هنا.
متى بدأنا نشعر أن اللحظة لا تكتمل إلا إذا رآها الآخرون.
هذا السؤال لم يعد عابرًا، بل أصبح انعكاسًا لتحول عميق في طريقة عيشنا، حيث لم تعد التجربة تُقاس بصدقها، بل بمدى قابليتها للنشر، ومع الانتشار الواسع لمنصات مثل TikTok وSnapchat، لم يعد التوثيق مجرد خيار، بل تحول إلى سلوك يومي شبه تلقائي، نمارسه دون أن نتساءل عن أثره الحقيقي علينا.
صرنا نعيش وكأن هناك كاميرا ترافقنا في كل لحظة، نعيد ترتيب يومنا ليبدو أجمل، نختار ما نُظهره بعناية، ونخفي ما لا يتماشى مع الصورة التي نود تقديمها، ومع الوقت، لم يعد الفرق واضحًا بين ما نعيشه فعلًا، وما نرغب أن يـراه الآخرون.
هذا التحول لم يمر دون أثر، ففي الجانب النفسي، ظهرت حالة مستمرة من المقارنة غير العادلة، حيث يقارن الإنسان يومه العادي، بتفاصيل منتقاة من حياة الآخرين، مما يخلق شعورًا خفيًا بالنقص، حتى وإن كانت حياته مستقرة ومليئة بما يكفي من الرضا، وهذا الشعور لا يأتي من الواقع، بل من الصورة المشوهة له.
ولم يعد التأثير مقتصرًا على المشاهدة فقط، بل امتد إلى سلوك تفاعلي جديد، حيث أصبحت بعض المقاطع تُبنى بالكامل على طلب الدعم، كأن يقول صانع المحتوى «ادعموني بلايك» أو «تكبيسة للشاشة توصل المقطع»، وهي عبارات تبدو بسيطة، لكنها تعكس تحولًا في طبيعة العلاقة بين المتلقي والمحتوى
تشير تقارير منصة البيانات الرقمية المتخصصة في تحليل استخدام الإنترنت عالميًا، إلـــى أن المستخدمين يقضون في المتوسط أكثر مــن ساعتين يوميًا على منصات التواصل، مع معدلات تفاعل مرتفعة تعتمد بشكل كبير على الإعجابات والمشاركات، كـما توضح دراسات في مجال علم النفس الرقمي أن نظام «الإعجاب الفوري» يعمل بطريقة مشابهة لنظام المكافأة في الدماغ، مما يعزز السلوك التكراري، سواء لــدى صــانــع المحتوى أو المتلقي.
وهذا ما يفسر انتشار ظاهرة «التكبيس» أو النقر المتكرر على الشاشة، ليس فقط كتعبير عن الإعجاب، بل كاستجابة شبه تلقائية لطلب مباشر، أو بدافع المشاركة الجماعية في رفع المقطع، وهنا لم يعد التفاعل انعكاسًا حقيقيًا للجودة، بل أصبح أحيانًا نتيجة لتحفيز لحظي وسريع.
وخلال الأسبوع الماضي، عاد النقاش ليشتعل حول حدود العلاقة بين الجمهور وصنّاع المحتوى، بعد الجدل الذي أُثير بشأن تنظيمات تتعلق بمنع استقبال الدعم المالي المباشر عبر بعض المنصات، وهو ما فتح بابًا واسعًا للتساؤل، هل أصبح المحتوى قائمًا على القيمة، أم على قدرته فــي استقطاب الدعم.
هذا الجدل لم يكن مجرد قرار تنظيمي بقدر ما كان مرآة لواقع تشكّل تدريجيًا، حيث انتقل بعض صناع المحتوى من تقديم أفكار أو تجارب، إلى بناء علاقة قائمة على التحفيز المباشر للدعم، حتى باتت بعض المقاطع تُصاغ بالكامل حول فكرة «أدعموني» أكثر من أي محتوى حقيقي.
في المقابل، يرى آخرون أن هذا النوع من الدعم يمثل مصدر دخل مشروع، وفرصة لصناعة استقلال مالي خارج الأطر التقليدية، خاصة في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، وبين هذا وذاك، يقف السؤال الأهم، هل المشكلة في الدعم نفسه، أم في الطريقة التي يُطلب بها، ويُبنى عليها المحتوى.
فحين يتحول الدعم من نتيجة طبيعية لقيمة حقيقية، إلى هدف يُسعى إليه بأي وسيلة، تبدأ الحدود بالتلاشي بين الإبداع، والاستغلال، وبين التأثير، والتأثر، ورغم كل ذلك، لا يمكن إنكار أن هذه المنصات فتحت أبوابًا لم تكن موجودة، وأعادت تعريف الفرص، وأتاحت للكثيرين التعبير عن أنفسهم، بل وتحويل شغفهم إلى مصدر دخل
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود هذه المنصات، بل في طريقة استخدامنا لها، كيف نوازن بين التوثيق والعيش، كيف نكون حاضرين في لحظاتنا، دون أن نفقد وعينا بذواتنا؟ كيف نستخدم هذه الأدوات دون أن تتحول إلى معيار نقيس به قيمتنا.
ربما الحل لا يكمن في الانسحاب الكامل، ولا في الانغماس التام، بل في إعادة تعريف العلاقة مع هذا العالم، أن ندرك أن ما يُعرض ليس الحقيقة الكاملة، أن نسمح لأنفسنا بلحظات لا تُوثق، ولا تُنشر، ولا تُقاس، أن نعيد الاعتبار للتجارب التي تُعاش بصدق، حتى وإن لم يرها أحد.
قد نحتاج أحيانًا أن نضع الهاتف جانبًا، لا كنوع من الرفض، بل كنوع من الاستعادة، استعادة الشعور الحقيقي، استعادة التركيز، استعادة تلك البساطة التي لا تحتاج إلى إثبات، فالحياة، في جوهرها، لا تحتاج إلى توثيق لتكون حقيقية، ولا إلى جمهور لتكون مكتملة.
ولو اختفت الكاميرا فجأة، ربما لن تكون المشكلة أننا فقدنا وسيلة للتصوير، بل أننا سنكتشف أننا بحاجة لإعادة تعلم كيف نعيش اللحظة كما هي، دون إضافة، ودون انتظار تصفيق.
فالحياة لا تنتظر من يؤجلها، ولا تُمنح مرتين، وما نعيشه بصدق، سيبقى فينا، حتى وإن لم يره أحد.