د.عبدالله بن موسى الطاير
حرب غريبة، أحداثها سريعة، وتفاوض أغرب، يدار عبر التدوينات أكثر منه عبر الوسطاء. إنها حالة أعلنت دخول جيل جديد من الحروب والتفاوض، وستدرس في كليات السياسة والحرب طويلاً. الحرب ليست انفجاراً أعمى للعنف بقدر ما هي نتيجة مأساوية لحسابات إستراتيجية متبادلة، وقد تكون خاطئة أو مضللة. فمن المعلوم بالضرورة أن الأطراف المتحاربة لا تتحرك استناداً إلى ما تريده وحدها، بل تأخذ في الحسبان ما تتوقع أن الخصم يريده، أو يفعله، أو ما يريد أن يصدّقه الآخر عنه. من هذه الزاوية، فالحرب الحالية نموذج للعبة السياسية التي تتداخل فيها المعلومة الناقصة، والردع، ومشكلة الالتزام، وسباق المصداقية. وإذا كان الرصاص قد صمت رسمياً ولو مؤقتاً، فإن مرحلة اختبار النيات وتبادل الخطوط الحمراء لا تقل خطراً.
ربما أرادت واشنطن وتل أبيب أن تجعلا استمرار إيران في امتلاك أو تطوير قدرات نووية أكثر كلفة من التراجع عنها، ولذلك لم تكن الضربات العسكرية مجرد عقاب، بل للتأكيد على إن كلفة الاستمرار في المشروع النووي أعلى من ثمن التنازل عنه. غير أن المشكلة تكمن في أن إيران لا تقرأ الرسالة بالضرورة كما يريد مرسلها؛ فلم تقرأ في الحرب دعوة إلى التراجع، بل دليل على أن الخصم يسعى إلى إضعاف النظام وإسقاطه، وبالتالي يصبح التنازل أخطر من التصعيد.
خلف الأبواب الموصدة تناقش فرضيات يصعب اختبارها، فلو قبل الإيرانيون بتقليص برنامجهم النووي أو حتى التنازل عنه، فما الذي يضمن لهم أن الطرف الآخر لن يستغل لاحقاً ضعف إيران الإستراتيجي؟ وفي المقابل، لو قَبِل الطرف الأمريكي بوقف الحرب، فما الذي يضمن له أن إيران لن تستغل الهدنة لإعادة بناء قدراتها؟ هذه هي المعضلة الأزلية، فقد تكون التسوية أقل كلفة من الحرب، لكن غياب الثقة يجعل التسوية خطراً محتملاً. في مضيق هرمز تبدو اللعبة مختلفة بعض الشيء، فكل طرف يريد أن يثبت على مواقفه المعلنة، ومتجه بسرعة فائقة نحو الخصم، دون تراجع. فإيران، تظن أنها قادرة على نقل تكلفة الحرب إلى الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة. وأمريكا، ترى أن حرية الملاحة ليست قابلة للمساومة. في هذه اللعبة الخطرة، يعول كل طرف على تراجع الآخر، فإن لم يحدث فلا بديل عن الاصطدام.
إنها حرب وتفاوض متعددة اللاعبين، وكل لاعب يغير بسلوكه وردود أفعاله حسابات الآخر. إسرائيل لا تنظر إلى إيران وحدها، بل إلى شبكة نفوذها الإقليمية، وتضع وجود إسرائيل محل تساؤل. وإيران لا تنظر إلى واشنطن وتل أبيب فقط، بل إلى قدرتها على الصمود الداخلي وإظهار أنها لم تُهزم. والعالم كله على دكة الاحتياط يحبس أنفاسه فقد وصل الأثر الاقتصادي إلى الجميع. والسؤال الذي يتداوله العقلاء هو لماذا يستمر التصعيد رغم أن جميع الأطراف تعرف كلفته الكبيرة وتكابدها؟ الحرب لا تُقاس بالكلفة المطلقة فقط، بل بكلفتها النسبية وبما تعنيه سياسياً، فالتراجع بالنسبة لإيران يعني هزيمة داخلية لا يطيق النظام ثمنها. والتراجع بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل سيعتبر هزيمة أمام الناخبين والأحزاب المعارضة. وهكذا يصبح حفظ السمعة جزءًا من العائد السياسي، لا مجرد مسألة رمزية. ومع ذلك، فإن هذه الحسابات لا تتعلق بالعقلانية في المعسكرين، وليست حسابات حكيمة على إطلاقها، فالحكمة تعني عدم اندلاع الحرب وعدم المضي في مسببات اندلاعها من الأساس. وإنما المقصود بعقلانية الحسابات في هذا السياق عقلانية الدول داخل تصوراتها ومخاوفها، وقد تكون التصورات خاطئة. أسوأ ما في الحروب أن اللاعبين لا يرون أو يفهمون الشيء نفسه، فطرف يظن أنه يرسل إشارة تهدئة واضحة، وطرف آخر يراها إعلان حرب؛ طرف يسمي ضربته دفاعاً عن النفس، وطرف آخر يسميها عدواناً؛ طرف يظن أن وقف إطلاق النار قائم، وطرف آخر يرى أنه من الناحية العملية في حكم المنتهي.
الحرب الدائرة كشفت القوة وحدودها؛ فالضربات العسكرية تدمر منشآت عسكرية ومدنية، لكنها لا تشيد مكانها أبراجًا من الثقة، والردع قد يمنع الخصم من الإقدام على فعل خطير، لكنه قد يدفعه إلى خطوات جانبية أكثر خطورة. لذلك فإن المخرج، إن وُجد، لن يكون في انتصار عسكري مجرد، بل في إعادة تصميم اللعبة نفسها لتتشكل من ضمانات، ورقابة، ووساطة موثوقة، وتدرج في التنازلات يجعل خرق الاتفاق أكثر كلفة من الالتزام به. السياسة، في النهاية، ليست أن تربح الجولة فقط، بل أن تمنع اللعبة كلها من التحول إلى كارثة مفتوحة.