د. عبدالله علي بانخر
في المشهد السينمائي المعاصر، لم يعد ضخ رأس المال وحده ضامناً للنجاح أو بوابة للعبور نحو العالمية. وتكشف المفارقة الصارخة بين فيلم السيرة الذاتية «مايكل» (Michael) والملحمة التاريخية «محارب الصحراء» (Desert Warrior) عن فجوة عميقة في كيفية إدارة المشاريع الإبداعية من منظور استثماري وتسويقي بحت.
لقد استطاع فيلم «مايكل» تحويل ميزانية الـ 200 مليون دولار إلى ظاهرة عالمية متصدرة لشباك التذاكر، بينما واجه «محارب الصحراء» تحديات جسيمة في إثبات وجوده تجارياً رغم كونه أضخم إنتاج سينمائي في المنطقة. هذا التباين يضعنا أمام ضرورة تحليل «اقتصاديات الإبداع» كمعيار أساسي لنجاح المشاريع الكبرى من خلال المحاور التالية:
أولاً: توظيف العلامات التجارية الجاهزة..
استند فيلم «مايكل» إلى علامة تجارية عالمية فائقة القوة (مايكل جاكسون). هذا النوع من الاستثمار يقلِّل من تكلفة «بناء الوعي بالمنتج» من الصفر؛ فالجمهور العالمي مرتبط عاطفياً ومستعد استهلاكياً لهذه العلامة مسبقاً، مما جعل المخاطرة الاستثمارية في حدها الأدنى، وحوَّل الفيلم من مجرد عمل فني إلى منتج مضمون الطلب.
ثانياً: «التسويف التسويقي» وأزمة الهوية
على النقيض، عانى «محارب الصحراء» من حالة يمكن وصفها بـ «التسويف التسويقي»؛ وهي تأجيل حسم هوية الفيلم بوضوح أمام الجمهور العالمي. ورغم أن هذا النوع من التسويف قد يكون أفضل من الارتباك الوظيفي في مراحل الإنتاج، إلا أنه في سوق السينما أدى إلى ضبابية لدى المشاهد: هل هو عمل تاريخي محلي بصبغة إقليمية، أم ملحمة هوليوودية خالصة؟ هذا التردد في الرسالة التسويقية منح الأفضلية لفيلم «مايكل» الذي لم يسوِّف في عرض هويته كمنتج ترفيهي جماهيري منذ اللحظة الأولى.
ثالثاً: ميكانيكا التوزيع العابر للحدود وقوة «الماركة / البراند»
تظهر الفجوة الاستثمارية بوضوح في «ميكانيكا التوزيع»؛ ففي حين اعتمد «مايكل» على شبكة توزيع عالمية يقودها محرك (ماركة/ براند) عابر للثقافات، واجه «محارب الصحراء» معضلة «المنتج المحلي بملابس عالمية». إن اقتصاديات الإبداع تفرض أن يتجاوز الفيلم كونه مادة بصرية ليصبح «منتجاً قابلاً للتداول»؛ وهو ما تطلب من «مايكل» مجهوداً أقل في الإقناع التسويقي، بينما احتاج «محارب الصحراء» إلى بناء ثقة ومصداقية جديدة لدى الموزع العالمي، وهي عملية باهظة التكلفة وعالية المخاطر.
إن هذه المقارنة لا تهدف لتقييم الجودة الفنية، بل للتأكيد على أن الإبداع في القرن الحادي والعشرين يتطلب «هندسة قرار» استباقية تربط بين المحتوى وبين آليات السوق العالمية، لضمان ألا تتحول الميزانيات الضخمة إلى مجرد أرقام في حسابات الخسارة.