د. محمد بن عبدالله آل عمرو
مع تسارع التحولات التربوية وتغير خصائص الأجيال الجديدة، أصبح من الضروري إعادة النظر في كثير من المسلمات التعليمية التقليدية، ومن أبرزها طول الحصة الدراسية. فليس المهم أن يبقى الطالب داخل الصف وقتًا أطول، بل أن يعيش تجربة تعليمية أكثر تركيزًا وتفاعلًا وكفاءة.
ومن هنا، يبرز مقترح تقليص زمن الحصة الدراسية في مدارس التعليم العام إلى ثلاثين دقيقة بوصفه مقترحًا يستند إلى أسس علمية وتربوية وعملية تستحق الدراسة الجادة.
ويستند هذا المقترح أولًا إلى ما يعرف بـ «قانون باركنسون» الذي ينص على» أن العمل يتمدد ليشغل الزمن المتاح له»؛ فكلما طال الوقت المخصص للمهمة زادت احتمالات التكرار والاستطراد وضعف التركيز. وينطبق ذلك على الحصة الدراسية؛ إذ إن الحصة الطويلة قد تدفع - دون قصد - إلى الإطالة والحشو، بينما تشجع الحصة الأقصر على التخطيط المركز والعرض المكثف واستخدام الأنشطة الجاذبة.
كما تؤكد الدراسات التربوية والنفسية أن قدرة الطفل على التركيز والانتباه محدودة بطبيعتها، وأن الانتباه يبدأ بالتراجع تدريجيًا مع استمرار التلقي اللفظي لفترات طويلة.
ويشير الباحث الأمريكي جون ميدينا في كتابه Brain Rules إلى أن الانتباه البشري ينخفض سريعًا بعد الدقائق الأولى ما لم يحدث تجديد في طريقة العرض أو انتقال إلى نشاط مختلف. ويكون ذلك أوضح لدى الأطفال وطلاب المراحل الدراسية الأولى.
ولذلك اتجهت بعض النماذج التعليمية الحديثة إلى ما يسمى «التعلم المصغر» (Microlearning)، وهو تقديم المعرفة في وحدات قصيرة مركزة بدلاً من الجلسات الطويلة المرهقة ذهنيًا. وقد توسع هذا الاتجاه في الولايات المتحدة وأوروبا ومنصات التعليم العالمية، حيث أصبحت الدروس القصيرة أكثر فاعلية في جذب الانتباه وتحسين الاحتفاظ بالمعلومة.
ومن التجارب العملية القريبة من هذا التصور ما طبقته بعض المدارس في الولايات المتحدة وكندا تحت ما يعرف بـ «الجدولة المرنة»، حيث قُسمت الحصص إلى فترات أقصر تتخللها أنشطة حركية وتفاعلية، بعد ملاحظة تراجع انتباه الطلاب مع الحصص الطويلة. كما أن عددًا من المدارس الابتدائية في بريطانيا تبنت أسلوب «الدرس السريع» القائم على شرح مركز يعقبه نشاط تطبيقي أو نقاش جماعي، خاصة في السنوات الأولى من التعليم.
أما في التعليم الرقمي الحديث، فقد أصبحت المنصات العالمية مثل Khan Academy وCoursera تعتمد مقاطع تعليمية قصيرة غالبًا لا تتجاوز 10 إلى 20 دقيقة؛ لأن البيانات التحليلية أظهرت انخفاض تفاعل المتعلمين كلما طال الشرح المتصل. وهذا يعكس تحولًا عالميًا نحو التعليم المركّز بدل الإطالة الزمنية.
إن تقليص الحصة الدراسية إلى ثلاثين دقيقة لا يعني اختزال التعليم أو إضعافه، بل إعادة تنظيمه بصورة أكثر فاعلية. فالمعلم سيصبح أكثر حرصًا على التركيز على المفاهيم الأساسية، واستخدام وسائل تعليمية مشوقة، وتنويع أساليب العرض. كما أن الطالب سيكون أكثر استعدادًا للمشاركة والانتباه عندما يشعر أن الحصة سريعة الإيقاع وواضحة الهدف.
ومن الفوائد المتوقعة لهذا المقترح كذلك الحفاظ على وقت الطلاب، وتقليل الملل والتشتت الذهني، ورفع جودة الانتباه داخل الصف، ومنح المدارس مرونة أكبر لإدراج أنشطة مهارية، وثقافية، ورياضية، وترفيهية. فالطالب المرهق ذهنيًا لا يتعلم بكفاءة مهما طال زمن جلوسه، بينما قد تحقق الحصة القصيرة النشطة نتائج تعليمية أعمق وأكثر رسوخًا.
إن مراجعة زمن الحصة الدراسية اليوم ليست مجرد قضية تنظيمية، بل خطوة تربوية تتعلق بفلسفة التعليم ذاتها: هل الهدف هو إكمال الزمن، أم تحقيق التعلم؟ والراجح أن التعليم المعاصر يتجه تدريجيًا نحو الجودة والتركيز والكفاءة، لا نحو إطالة الوقت على حساب انتباه الطالب وحيويته.