د. عبدالمحسن الرحيمي
في هذه المرحلة من كل عام، لا يعيش الطلاب مجرد انتقال أكاديمي من مقاعد الدراسة إلى الجامعة، بل يعيشون لحظة عبور وجودية تعيد تشكيل علاقتهم بأنفسهم، وبالزمن، وبفكرة المستقبل ذاتها. إنها المرحلة التي يبدأ فيها الإنسان لأول مرة بالشعور أن عليه أن يختار طريقه وسط عالم واسع ومفتوح، وأن عليه أن يواجه الأسئلة الكبرى التي لا تُقاس بدرجات الاختبارات فقط، بل بقدرته على فهم ذاته، وإدراك إمكاناته، والوعي بأن مستقبله لا يُمنح له جاهزًا، بل يُبنى عبر الإرادة والصبر وإعادة المحاولة.
ولعل أعظم ما يميز التجربة السعودية الحديثة أنها لم تُعد تعريف الاقتصاد أو التنمية فقط، بل أعادت تعريف الإنسان السعودي نفسه. فهذه الأرض التي خرج منها رجال استطاعوا أن يوحدوا الشتات ويؤسسوا دولة من قلب الصحراء، لم تكن يومًا أرضًا فقيرة بالموارد البشرية، بل كانت دائمًا غنية بالعقول، والإرادة، والقدرة على التحول. أبناء الصحراء لم يكونوا أبناء القسوة فقط، بل أبناء البصيرة، والحدس، والقدرة على قراءة المستقبل وسط الفراغات الكبرى. ومن قلب تلك البيئة التي تعلّم فيها الإنسان كيف يصنع الحياة من الندرة، وُلدت شخصية سعودية مختلفة؛ شخصية لا تنتظر الطريق، بل تصنعه.
ولهذا لم يكن اكتشاف النفط أعظم موارد المملكة، بل كان اكتشاف الإنسان السعودي نفسه. فالنفط يمكن أن يُستخرج من الأرض، لكن الحضارات لا تُستخرج إلا من العقول القادرة على الحلم، والإيمان، والعمل الطويل. وما نشهده اليوم في المملكة ليس مجرد تحول اقتصادي أو تقني، بل إعادة إحياء للطاقة الكامنة داخل هذا الإنسان الذي آمن مؤسس هذه البلاد، الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، طيب الله ثراه، بقدرته منذ البدايات الأولى. لقد أسس مدرسة قيادية لم تُبنَ على الصراع، بل على توحيد المعنى، وبناء الإنسان، وتحويل التحديات إلى مشروع حضاري ممتد.
هذه المدرسة السعودية في القيادة لم تكن يومًا مدرسة خوف أو انغلاق أو تردد، بل مدرسة ترى في الإنسان قيمة استراتيجية عليا، وترى في الطموح فعلًا سياديًا لا تحدّه الظروف. ولهذا جاءت كلمات سيدي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، حفظه الله، لتكسر الجمود النفسي الذي عاشت فيه المنطقة لعقود طويلة، حين قال: «طموحنا عنان السماء». لم تكن العبارة مجرد وصف حماسي، بل إعلانًا عن تحول عميق في العقل السعودي نفسه؛ انتقال من التفكير ضمن الحدود إلى التفكير ضمن الإمكانات المفتوحة.
وحين أكد سموه أن «أهم ما يميز السعودي أنه لا يعرف الخوف»، فإنه لم يكن يصف حالة عاطفية مؤقتة، بل كان يصف البنية النفسية الجديدة التي تُعاد صناعتها داخل هذا الوطن. لأن الخوف في المشاريع الحضارية الكبرى ليس مجرد شعور، بل عائق إدراكي يمنع الإنسان من رؤية إمكاناته الحقيقية. والشعوب التي تخاف من التجربة، أو من الفشل، أو من إعادة المحاولة، لا تستطيع أن تصنع تحولًا تاريخيًا.
ولهذا، فإن الطالب السعودي اليوم يجب أن يدرك أنه ليس مجرد متلقٍ لقرار قبول جامعي، بل امتداد لتاريخ طويل من الإرادة والقدرة على تجاوز المستحيل. عدم القبول في الرغبة الأولى لا يعني نهاية الطريق، بل ربما يكون بداية وعي أعمق بالذات. فالإنسان الحقيقي لا يُقاس بسرعة الوصول، بل بقدرته على الاستمرار دون أن يفقد إيمانه بنفسه.
بعض الطلاب يظنون أن مرور عام إضافي لإعادة ترتيب المسار أو إعادة اختبار القدرات والتحصيلي يمثل تأخرًا، بينما الحقيقة أن بناء الذات لا يُقاس بالسنوات القصيرة، بل بعمق التحول الذي يحدث داخل الإنسان. قد يدرس الطالب تخصصًا مختلفًا لعام واحد، لكنه خلال تلك الفترة يبني لغة جديدة، أو مهارة جديدة، أو وعيًا جديدًا، ثم يعود أقوى وأكثر نضجًا وقدرة على تحقيق ما يريد. في هذه الحالة، لا يكون قد خسر عامًا، بل يكون قد استثمر عامًا في إعادة بناء نفسه.
وهنا تظهر قيمة الوعي الحقيقي أن يدرك الإنسان أن مستقبله لا تحدده لحظة مؤقتة، ولا نتيجة اختبار، ولا حتى بداية متعثرة. المصير لا يُصنع من لحظة نجاح واحدة، بل من تراكم طويل من الإصرار والانضباط والقدرة على النهوض بعد كل خيبة صغيرة.
المدرسة السعودية للقيادة الواعية لا تؤمن بثقافة الصراع بوصفها أساسًا للنهضة، لأن الصراع يستهلك الطاقات أكثر مما يبنيها. إنها مدرسة تؤمن بالتحول، وبالإنسان، وبإدارة الإمكانات الكامنة داخل المجتمع. ولهذا فإن كلمة «الصراع» ليست في قاموسها، كما أن كلمة «الخوف» ليست في قاموس السعودي الجديد الذي يصنع مستقبله بعقل مختلف، ورؤية مختلفة، وثقة مختلفة.
إن المملكة اليوم لا تبني جيلًا يبحث فقط عن وظيفة، بل تبني جيلًا قادرًا على قيادة المستقبل، وإعادة تشكيله، والتعامل مع عالم سريع التحول دون ارتباك أو خوف. وهذه المرحلة تتطلب من الشباب أن ينظروا إلى أنفسهم بوصفهم مشروعًا طويل المدى، لا نتيجة موسمية عابرة.
ولذلك، فإن الرسالة الأهم لكل طالب وطالبة في هذه الأيام هي أن يؤمنوا بأنفسهم قبل أي شيء آخر. فالأوطان العظيمة لا يصنعها أصحاب البدايات المثالية فقط، بل يصنعها أولئك الذين يمتلكون شجاعة الاستمرار، والقدرة على إعادة المحاولة، والإيمان بأن داخل كل إنسان إمكانات أكبر بكثير مما يراه في لحظة عابرة.
وفي النهاية، ربما تبقى الحقيقة الأهم أن أبناء هذه الأرض لم يتعلموا من الصحراء القسوة فقط، بل تعلموا منها شيئًا أعظم: أن الأفق الواسع لا يُخيف من يؤمن أن طموحه أكبر من الحدود.