د. رنا بنت عبدالله الغامدي
ليست كل مواقع القيادة تعني بالضرورة الحضور في دائرة التأثير وصناعة القرار. وما يُمارس فعليًا داخل بيئات العمل أكثر تعقيدًا من أن يفصح عنه في العلن. في موعد طال انتظاره، خرجتُ للقاء مجموعة من الصديقات، صداقتنا هذه امتدت لعدة سنوات، كانت بدايتها ورشة عمل جمعتنا ضمن أحد المؤتمرات العلمية، لتتحول تلك الصدفة المهنية مع الوقت إلى علاقة أكثر عمقًا، فأصبحنا بعدها نحرص على أن نجتمع كلما سنحت الفرصة. كل واحدةٍ منا مضت في مسارها الأكاديمي والمهني، لنلتقي مؤخرًا وقد أصبحنا نشغل منصباً أو تكليفًا قياديًا، في جامعات مختلفة، من الغربية، إلى الوسطى والشرقية.
دار الحديث بيننا على أطراف فناجين القهوة، لكنه هذه المرة أخذ منحنى مختلفًا. كل واحدة كانت تحمل قصة: هذه أُبعدت عن اجتماع يستدعي تواجدها، وتلك سُحب منها مشروع دون سبب، وأخرى صارت تحمل اللقب شكلياً فقط دون أن يُسأل رأيها، وأشارت إحداهن إلى أن بعض النقاشات تُدار من قبل رئيسها المباشر بنبرة مرتفعة، مما يخلق توترًا ويحدّ من مساحة المشاركة.
لم تكن تلك الحكايات مجرد سرد لتجارب فردية، بقدر ما كانت مدخلًا لقراءة أنماط مهنية تتكرر في أكثر من سياق. كنتُ في تلك اللحظة المستمع أكثر من كوني المتحدث، التقط التفاصيل وأربط بينها، حتى همست لنفسي قائلة: لقد وجدت فكرة لمقال يستحق أن يُكتب. ومن هنا، لم تعد حواراتهم مجرد قصص، بل سرديات وضعتها في قالب يقوم على الموضوعية، بعيدًا عن الشخصنة.
الأنماط التي سأذكرها ليست حالات فردية معزولة، وهي لا يمكن حصرها في جنسٍ دون آخر؛ لأنها تُمارس على الرجال والنساء على حد سواء، إلا أن أثرها على المرأة قد يكون أكثر حساسية وتعقيدًا. فحين تتعرض القيادية لممارسات تُضعف دورها أو تُربك مسارها المهني، فهي لا تواجهها مباشرة، بل غالباً تميل إلى الصمت، أو الاكتفاء بمساحاتٍ خارج بيئة العمل تُفرغ فيها ما لا يمكن قوله داخلها. خصوصًا في ظل ما تعيشه المرأة السعودية اليوم من مرحلة تمكين متسارعة، تسعى فيها لإثبات حضورها وكفاءتها واستحقاقها للمواقع القيادية.
إحداهن ذكرت أنها ظنّت بأن غياب اسمها عن أحد الاجتماعات مجرد سهو. لكن الموقف تكرر. اجتماع بعد آخر، ونقاشات تُدار دون حضورها، رغم أن القرارات تمس عملها بشكل مباشر. كانت تتابع من بعيد، تلتقط ما يمكن التقاطه، وتحاول أن تبقى حاضرة ولو من الهامش. ومع مرور الوقت، وجدت نفسها تختبر «الإقصاء المهني الصامت»، حضورها مُثبت في الهيكل التنظيمي، لكنه لا ينعكس في دوائر القرار.
وتحدثت أخرى عن تجربتها؛ إذ وجدت أن قراراتها ومبادراتها تُقابل بتشكيك واستنقاص أو تجاهل من رئيسها المباشر، أو يتم تجاوزها في صميم صلاحيات عملها عبر قنوات موازية، حتى بدأت تشعر أن دورها القيادي يُفرغ تدريجيًا من مضمونه، وأنها أصبحت أقرب إلى واجهة شكلية، في صورة تُجسد ما يُعرف بـ «تقويض الدور القيادي».
أما الثالثة، فكانت تجربتها مع مشروع بدأت العمل عليه بجدية، مستثمرة وقتها وجهدها، قبل أن تُفاجأ في مرحلة متقدمة بسحبه منها وإسناده إلى شخص آخر دون تفسير واضح. لم يكن الأثر متعلقًا بالمشروع فقط، بل بما تركه داخليها من ارتباك وفقدان للثقة، وشعور بالإحباط حين لا يجد الجهد المبذول امتدادًا حقيقيًا، وهو ما يندرج تحت مسمى «سحب الصلاحيات وإعادة توزيعها».
وفي زاوية أخرى من الحديث، أشارت إحداهن إلى نمط أقل وضوحًا، لكنه أكثر استنزافًا، حيث لا توجد مواجهة صريحة، بل سلسلة من السلوكيات المتكررة: التجاهل المتعمد، وتأجيل اجتماعاتها مع الرئيس المباشر بشكل مستمر، مع الغموض في التوجيه، مما يسبب لها الاستنزاف المهني والنفسي ويُعرف ذلك بـ «الإدارة العدائية غير المباشرة».
وأخرى ذكرت أنها وجدت نفسها مكلفة بمنصب قيادي لإدارة كاملة، لكن دون مساحة حقيقية لممارسة دورها أو التأثير فيه. تُستدعى حين يكتمل المشهد، وتغيب حين تُصنع القرارات، فيتحول حضورها إلى وجود شكلي أكثر منه فعليًا، وهي الحالة التي يمكن وصفها بـ «التهميش المؤسسي»، حيث تبقى داخل المنظومة، لكنها خارج دائرة التأثير الحقيقي.
تحدثت إحداهن عن مسارها الذي لم يتوقف بقرار واضح، بل بدا وكأنه يتباطأ كلما اقتربت من خطوة أعلى، رغم كفاءتها واستحقاقها. كانت تعمل وتنجز، فيما تمر فرص الترقي، والوصول إلى مناصب قيادية أعلى، والدورات المتقدمة، والانتدابيات رفيعة المستوى من حولها دون تفسير واضح. ومع الوقت، أدركت أن ما تواجهه ليس عائقًا معلنًا، بل ما يُعرف بـ «السقف الزجاجي»؛ حدود غير مرئية تُبطئ التقدم وتحدّ من الوصول، دون سبب مباشر يمكن مواجهته.ومن زاوية أخرى، لا يمكن إغفال دور العلاقات المهنية وشبكات التأثير داخل بيئات العمل (رأس المال الاجتماعي). ففي كثير من الأحيان، لا تتحدد الفرص بالكفاءة وحدها، بل أيضًا بدوائر القرب والثقة التي تتشكل مع الوقت، فتمنح بعض الأفراد حضورًا أوسع، وقدرة أكبر على الوصول إلى دوائر القرار. ولا يعني ذلك بالضرورة وجود تفضيل مقصود، بقدر ما يعكس طبيعة بيئات العمل التي تميل إلى العمل ضمن دوائر مألوفة، لكن الإشكال يبدأ حين تتحول هذه العلاقات إلى عامل مؤثر في توزيع الفرص، أو في تقليصها عن آخرين يملكون الكفاءة نفسها، دون الامتداد ذاته في العلاقات.
وقد يُطرح تساؤل حول سبب عدم الاعتراض على مثل هذه الممارسات، لكن الواقع يحمل تفسيرًا مختلفًا. فقد اعتذرت إحداهن عن الاستمرار في المنصب بعد مواجهة خاسرة، واختارت أخرى الصمت، ليس ضعفًا في الشخصية، بل لأن مصدر هذه الممارسات يأتي من موقع قيادي أعلى تجاوز الحد في استخدام صلاحياته، مما يجعل مساحة الاعتراض أكثر حساسية وتعقيدًا. فطبيعة الهرم الإداري قد تجعل من الصعب إبداء الرأي، حتى في القضايا التي تستوجب النقاش.
الأنظمة في المملكة لا تترك الباب مفتوحًا بلا ضابط، كما تؤكد لوائح وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية على ضرورة حماية بيئة العمل من السلوكيات المؤذية، بما في ذلك إساءة استخدام السلطة أو الإقصاء أو الإضرار المهني غير المباشر. وسواء خضع الأكاديمي لنظام العمل أو للوائح الجامعات الداخلية، فإن المبدأ واحد، لا تمكين حقيقي بلا عدالة مهنية، ولا حوكمة حقيقية مع الإقصاء غير المعلن.
الحل يبدأ من بناء بيئة عمل مؤسسية تقل فيها الشخصنة، ويعلو فيها النظام على المزاج؛ ويبدأ ذلك من إدارات الموارد البشرية عبر نشر ثقافة مهنية قائمة على الوضوح والمسؤولية، وتعزيز الوعي بالممارسات الإدارية السليمة، ويمتد عبر الجامعات بسياسات واضحة ومسارات تظلم شفافة، ويتعزز بدور مجالس الجامعات في إدراج جودة التمكين ضمن مؤشرات الحوكمة. كما يتطلب الأمر تأهيل القيادات إداريًا وسلوكيًا، لأن بعض الممارسات مع تكرارها تؤثر على سمعة المؤسسة.
وأخيرًا، لا يُقاس تمكين المرأة بوصولها إلى المناصب، بل بمدى ما تجده فيها من احترام، وإنصاف، ومساحة حقيقية للتأثير. ومع رؤية المملكة 2030، واستقلالية الجامعات، والتحولات الكبرى في التعليم العالي، ربما حان الوقت لأن نخترق السقف الزجاجي وننتقل من الاحتفاء بوصول المرأة إلى دفة القيادة إلى ضمان أن تكون هذه القيادة ممكّنة بأدواتها وصوتها وتأثيرها وبدون أي إقصاء.