د. تنيضب الفايدي
(لا يستطيع أحد أن يصل إلى مستوى ما كتبته عن آثار الوطن من حيث الصدق والثقة خلال ثلاثين عاماً إضافة إلى أربعين مؤلفاً علمياً موثقاً).
تعتبر تبوك من المآثر النبوية حيث صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمسجد ما زال معروفاً بتبوك، كما صلّى في مسيره إليها وعودته منها في عدة مواقع، عرفت فيما بعد بمساجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقد اهتم بمواقعها المؤرخون وأصحاب السير اهتماماً بالغاً حيث ذكروا تلك المواقع، قال ابن رشد: «بنى النبي -صلى الله عليه وسلم- بين تبوك والمدينة نحو ستة عشر مسجداً، أولها بتبوك وآخرها بذي خشب». قال ابن اسحاق: كانت المساجد معلومةً مسماه». ومن المتقدمين الذين رصدوا مواقع مصلى النبي -صلى الله عليه وسلم- أثناء ذهابه إلى غزوة تبوك ورجوعه الحربي صاحب كتاب المناسك وأماكن طرق الحج ومعالم الجزيرة، ثم من جاء بعده ومنهم الفيروزآبادي صاحب كتاب «المغانم المطابة في معالم طابة»، وبعدهم السمهودي في كتاب «وفاء الوفا» وغيرهم من المؤرخين، يقول أحد المؤرخين: «انحصرت عناية المؤرخين المسلمين بالنسبة لتبوك في ناحيتين، أولاهما: أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- غزاها وهي آخر غزوة وصل بها إلى حدود الشام، والثاني: عنايتهم بالمساجد النبوية الواقعة في الطريق بين المدينة وتبوك، وذلك أن المؤرخين الإسلاميين حرصوا أشد الحرص على تسجيل أسماء الأماكن التي صلى فيها الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ومن أقدم من عني بذلك ابن إسحاق صاحب السيرة، ثم ابن هشام ملخصها ثم من جاء بعدهم من المؤرخين. وقد ذكر ابن هشام مساجد الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيما بين المدينة إلى تبوك، وهذه المساجد هي: مسجد بتبوك، ومسجد بثنية مدران، ومسجد بذات الزراب، ومسجد بالأخضر، ومسجد بذات الخطمي، ومسجد بألاء، ومسجد بطرف البتراء من ذنب كواكب، ومسجد بالشق شق تارا، ومسجد بذي الحليفة، ومسجد بذي الخيفة (الجيفة)، ومسجد بصدر حوضى، ومسجد بالحجر، ومسجد بالصعيد، ومسجد بالوادي (وادي القرى) ومسجد بالرقعة، ومسجد بذي المروة، ومسجد بالفيفاء، ومسجد بذي خشب.
1 - مسجد تبوك:
يقع مسجد تبوك في منطقة وسط البلدة القديمة، وبالقرب من قلعة تبوك. ويعدّ واحداً من أبرز معالم منطقة تبوك وأشهر مساجدها، واكتسب مكانته وشهرته حيث صلّى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في هذا الموقع عدة أيام وليال في غزوة تبوك، وقد ذكر هذا المسجد أكثر المؤرخين، قال ابن زبالة: «ويسمى مسجد التوبة وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلّى فيه»، كما ذكر هذا المسجد المطري حيث قال: «هو من المساجد التي ابتناها عمر بن عبد العزيز». وقال ابن رشد في بيانه عن مساجد غزوة تبوك: «بني النبي -صلى الله عليه وسلم- مساجد تبوك بين تبوك والمدينة نحو ستة عشر مسجداً، أولها بتبوك وآخرها بذي خشب»، وقال المجد: «دخلته غير مرة، وهو عقود مبنية بالحجارة فنسبته إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- أو تسميته بذلك غير صحيحة، فاسمه مسجد التوبة أو مسجد تبوك. كما وصفه أحد الرحالة الأوائل ابن شجاع المقدسي حينما قدم الي تبوك في سنة 623هـ قائلاً: «إن بها ماء ينبع ومسجد يُزار، وأن الحجاج يدعون بها أثقالهم عند العرب من بني عقبة، وأنهم يقيمون بها يوماً ثم يستعدون للمفازة الكبرى».
وقد جدد هذا المسجد عدة مرات، آخرها حينما زار الملك فيصل رحمه الله تبوك في عام 1393هـ وصلى فيه وأمر ببنائه على الإطار الفني الإسلامي، وقد نفذ أمره خلال عام واحد فقط.
2 - مسجد ثنية مدران:
يقول العباسي: «بكسر الميم، وهي موضع في طريق تبوك من المدينة، بنى النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه مسجداً في مسيره إلى تبوك». ويسمى الآن (بالمدراة)، في الجهة الجنوبية الغربية لتبوك، وعلى طريق البديعة. وهذا الطريق تعبره قوافل أهل الحِجر الآتية من الشام، ويبعد عن تبوك 45 كيلاً.
3 - مسجد ذات الزِّراب (أم زرب):
مرحلتين من تبوك، وفيه الكثير من النقوش والكتابات، ويبعد عن تبوك تسعين كيلاً وفيه مساجد أخرى متباعدة. ذكرها جميع المؤرخين، قال الفيروز آبادي: (وذات الزراب): بكسر الزاي بعدها راء من مساجد النبي -صلى الله عليه وسلم- على مرحلتين من تبوك. وقال ابن منظور في لسان العرب:(وذات الزراب) من مساجد سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين مكة والمدينة. وقال ياقوت في معجم البلدان: (الزراب): موضع فيه مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بناه في مسيره إلى تبوك من المدينة. وقال الزبيدي في «تاج العروس» (وذات الزراب): بالكسر من مساجد النبي صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة شرفهما الله تعالى. وقال السمهودي: (الزراب): ككتاب ويقال ذات الزراب في مساجد تبوك.
4 - مسجد الأخضر:
يقول السمهودي: الأخضر على أربع مراحل من تبوك. والأخضر هي واد فيه عين وبئر، وهذه البئر مباركة حقاً فمائها معتمد وعذب لكنها فوهة واحدة لهذا اهتم بها السلاطين، ويبعد عن تبوك بـ75 كم تقريباً. قال الحموي:» الأخضَرُ: بضاد معجمة بلفظ الأخضر من الألوان. منزل قرب تبوك بينه وبين وادي القرى كان قد نزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مسيره إلى تبوك وهناك مسجد مُصلى النبي -صلى الله عليه وسلم-».
وفي عام 1040هـ مرّ الكبريتي الموسوي فقال: «أتينا على الأخيضر وهو واد مثلث الجوانب في جنوبيه قلعة سليمانية، بتاريخ ثمان وثلاثين وتسعمائة، وفيها عين تملأ منها ثلاث برك، تلاصق القلعة المبنية لحفظ البئر من دفنها أيام عصيان بني لام وبني عقبة». وذكر حاجي خليفة (1045هـ) قائلاً: «أخيضر: قلعتها تحت حكومة والي الشام وتوجد بها 3 برك ملاصقة للقلعة تماماً لدرجة ان سكان القلعة يأخذون المياه من الآبار الموجودة داخل القلعة ويملأون البرك المذكورة». ثم مرّ الخياري المدني في عام 1080هـ وقال: «إن مائها أعذب ما مرّ عليه بعد ماء المدينة»، كما مرّ من هنا الرحالة الألماني أويتنج ورسم القلعة.
5 - مسجد ذات الخطمي:
على خمس مراحل من تبوك مسجدٌ بذات الخطمي، يقول السمهودي: «واد أو قرية بين المدينة وينبع وقيل: شعبتان تدفع واحدة في ينبع والأخرى في الخشرمة «. وذكر تاج العروس ذات الخطمي فقال: «هكذا في النسخ، والصواب ذات الخطماء: بين المدينة وتبوك، (فيه مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره إلى تبوك). ويقول العباسي: «موضع فيه مسجد لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- بناه في مسيره من المدينة إلى تبوك». وهو ما يعرف اليوم بخشم الخطام، أثناء غزوة تبوك. وخشم الخطام يوجد به أكبر سد، وهو سد الفارعة، ويمتلك طبيعة خلابة ذات ألوان متنوعة، ويتميز بزراعة النخيل والزيتون والحمضيات بأنواعها، فضلاً عن مياهه الحلوة.
6 - مسجد بألى (قاع لالا):
ذكره السمهودي هو على خمس مراحل منها، وقاله المطري وفي نسخة ابن زبالة بنقيع بولا، ويعرف الآن باسم (لالا)، وهنا يلتقي طريق الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع درب الحجيج، وهو قريب من ذات الخطمي، وهو قاع واسع. تم الوقوف عليه مع مجموعة من سكان المنطقة.
7 - مسجد طرف البتراء:
يقول السمهودي: قال ابن إسحاق: من ذنب كُواكب. وقيل: إنه كوكب جبل هناك ببلاد بني الحارث بن كعب.
8 - مسجدٌ شق تارى:
ذكر هذا المسجد السمهودي دون أي تفصيل، ويقول العباسي:» تاراء بالمد: موضع بين المدينة وتبوك، فيه مسجد لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-. قاله ابن إسحاق: وهو مذكور في مساجد النبي -صلى الله عليه وسلم- التي صلى فيها بين المدينة وتبوك. وقال نصر: تاراء موضع بالشام».
9 - مسجد ذي الحليفة:
قال ابن زبالة وغيره، قال المجد: إن صحت اللفظة فهي اسم لمكان غير الميقات المدني، بين تبوك والمدينة، وهو غريب لم يذكره أصحاب البلدان.
10 - مسجد ذي الخيفة:
يقول السمهودي: لم أر من جمعه مع الذي قبله إلا المجد، إنه بكسر الخاء المعجمة، وقيل: بفتحها، وقيل بجيم مكسورة، وقيل باء مهلة مفتوحة، واقتصر في أسماء البقاع على كسر الجيم، والذي في تهذيب ابن هشام ذكر هذا المسجد بدل الذي قبله، وعكس ابن زبالة.
... يتبع الحلقة الثانية