صالح الشادي
في حضرة الغياب، حين يصمت كل شيء، يبقى الشعر وحده واقفًا كشاهد على أن الحياة لم تكن مجرد خبز وماء، بل كانت ذلك النور الخفي الذي يضيء في روح الإنسان حين تعجز كل اللغات. الشعراء لم يختاروا طريقهم، بل اختيروا له، وُسموا بعلامة لا تُرى بالعين، لكنها تُحس كالندى على قلب الليل. إنهم مخلوقات وُلدت وفي أرواحها شرفة تطل على الغيب، يسمعون ما لا يُسمع، ويرون ما لا يُرى، ثم يعودون إلينا بهداياهم: كلمات تنبض كالقلب الحي.
حين أدهش النبي محمد عليه الصلاة والسلام قومه، لم يجدوا لكلامه وصفًا يليق بوقع الصاعقة في صدورهم سوى أن قالوا: «شاعر». لم تكن تهمة في نظرهم الأول، بل اعترافًا بأنهم أمام قوة قادرة على قلب الوجدان وتغيير المفاهيم، قوة لا يملكها إلا ذلك المخلوق الذي مسّه شيء من السماء. لكن الحق الإلهي جاء ليفرق بين النبوة والشعر، بين الوحي والإلهام، بين الرسالة والفن، فكانت الآية الكريمة {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ} إشارة كونية دقيقة: هذه العلامة، هذه الموهبة التي تشبه شعلة الروح، يضعها الله في بعض خلقه، لكنها لم تكن للرسل، لأن مقام الرسالة أسمى، ولأن الشاعر يظل إنسانًا يهيم في أودية الأرض، بينما النبي يحمل أمانة السماء.
غير أن هذا التمييز الإلهي لم يكن انتقاصًا من الشاعر، بل كان تحديدًا لدوره الأزلي في هذه الحياة. والشعراء إذ {يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ}، فإن الملامة هنا تنصب على الغاوي الذي ترك سجيته التي خلق بها، وضل عن دوره في الحياة، فانجرف وراء أسلوبية الشاعر متوهّمًا أنه يستطيع أن يكون ما ليس له. إنها مأساة التابع لا المتبوع، ظلم للنفس لا إساءة من الشاعر. وأما قوله تعالى {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ}، فهو وصف دقيق لجوهر الشاعر لا ذم له: إنه القادر على أن ينزل الشمس من برجها ليضعها قلادة في صدر محبوبته، إنه الذي يهيم في كل واد، حاضر في السلم والحرب، في الحب والكراهية، في الرضا والغضب. هذه صفة تميز الشاعر المخلوق شاعرًا عن غيره، طبع لا تكلّف، وسجية لا تصنّع.
لقد فهم الإسلام هذه الحقيقة فأكرم الشاعر إكرامًا لم يحظَ به كثير من عظماء الصحابة في زمن التقشف والعوز. حين أهدى النبي حسان بن ثابت الجارية نسرين أخت سيرين القبطية، وحين ألبس كعب بن زهير بردته الشريفة وهو يعتذر إليه، كان ذلك تتويجًا سماويًا للشاعر، واعترافًا ضمنيًا بأن للكلمة الجميلة الصادقة مقامًا لا يدانيه مقام. كان النبي يحفظ الشعر ويستمع إليه إنشادًا وإلقاءً، كأنما كان يعرف أن في الشعر شيئًا من الحكمة المفقودة، ونبضًا من الحقيقة المخبوءة تحت جلد الحياة اليومية.
لكن اياكم أن تخلطوا بين الشاعر والنظّام أو الناظم. الناظم أديب ذكي، تراه في كل حفلة عرس وفي كل مناسبة وفي كل حي. وهو اما أن يكون أمي الوعي أو عالما أو فقيها، هو يمتلك اللغة قواعد وأساليب، ويبني الأبيات بناءً محكمًا كالصرح. هو المهندس، والصانع البارع، والماهر الذي يقول:
«ولولا الشعر بالعلماء يزري
لكنت اليوم أشعر من لبيد»
لكنه - مع كل هذا - بلا موهبة. لم يُخلق ليكون شاعرًا، بل تعلّم أن يكتب الشعر. أما الشاعر، كالشجرة قبل طرح ثمارها: يأتيه الشعر إتيانًا، يهبط عليه كما يهبط الليل، لا يملك إلا أن يستسلم. الناظم موجود في كل مجتمع وباقٍ بيننا، يكتب بقصد وإرادة، يبني ولا يلد، ينظم ولا يخلق. أما الشاعر الحقيقي فقليل، جد قليل، لأنه صنيعة الرحمن، لا صنيعة المدارس والمجالس والكتب. الفرق بينهما كالفرق بين من يصنع وردة من قماش وبين من تنبت في قلبه حديقة.
والشعر ليس حكرًا على العرب، ولا على قالب الصدر والعجز الذي يعرفه البعض من عادات آبائه وأجداده. إنه لغة المشاعر لكل شعوب الأرض وقبائلها، منذ آلاف السنين. في دواوين الرومان والإغريق، وفي أهازيج الأفارقة، وفي هايكو اليابانيين، وفي قصائد المكسيك، وغيرهم يسكن الشعر نفسه، يرتدي أثوابًا مختلفة لكنه يظل ذلك النداء الواحد: أنا هنا، أنا الألم، أنا الفرح، أنا الدهشة. الساخر من شعر الآخرين، الذي لا يرى إلا ما تعوّده، ضحل غبي، لم يدرك بعد أن الشعر بحر لا ساحل له، وأن الله ما خلق الإنسان ليختزله في حدود بيئة أو لغة.
الشعر ليس مجرد كلمات، إنه الروح الجماعية للبشر، أحزاننا وأفراحنا، حكايات أهل الصحاري والبحار والغابات والجبال والسهول. التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى في هذا الكوكب كان خلفها وحولها الشعراء، ملهمين أو نظّامًا. الخطباء والقادة والوعاظ لا يستغنون عن بيت شعر يسند مقولتهم، يؤكد خطابهم، يفتح في القلوب نافذة لا تفتحها الخطب وحدها. هذه الظاهرة موجودة بقدم الإنسان على الأرض، وستبقى حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
وبين يدي، أرى وجهًا واحدًا يتجلى لي الآن وأنا أكتب هذا المقال، وجه أخي وحبيبي الذي رحل، الأمير الشاعر بدر بن عبد المحسن. ذلك الفذ الذي لم يكن مجرد كاتب قصيدة، بل كان قصيدة كاملة، أحدث تغييرًا وجدانيًا في شعب بأكمله، بما قدم لوطنه، ولمحبوبته الأرض، ولأخيه الإنسان. كان من أولئك المخلوقين ليكونوا شعراء، يترجمون الجمال إلى لغة، ويمنحوننا في زمن الجفاف ينبوعًا لا ينضب. البدر لم يكن شاعرا فحسب بل قبيلة شعر عظيمة تسكن في جسد واحد عظيم الشموخ بما قدم وبما أبدع.
هناك طائفة أخرى لم تُخلق عبثًا، شعراء لكن أدواتهم ليست الكلمات، بل الألوان في يد الرسام، والنغمات في قلب الموسيقي، والظلال والفراغات في عقل المهندس والمصمم والمبتكر. هؤلاء هم الشعراء الذين يصفون الجمال على أرواحنا، ويخلقون حالة التوازن بين الجدّ والحيوية، بين الجفاف والغرق، بين الموت رمزًا والحياة معنى.
أعرف الشاعر من ألف إنسان: بهدوئه العاصف، بجنونه المقدس، بتفكيره المغاير، بحساسيته المفرطة التي تجعله يتألم من خدش لا نراه، ويفرح بضوء لا ننتبه له. إنه المخلوق الوديع الذي وُلد وفي فمه قطعة من القمر، وُلد ليكون شاعرًا، لا ليتخذ الشعر مهنة.
هذه ليست دفاعًا عن الشاعر، إنها الحقيقة.