عبيد الرمالي
في زمنٍ تتسارع فيه التحولات وتتبدل فيه الأولويات، تبقى بعض النماذج الإنسانية مضيئة كالفجر، تذكّر المجتمع بأن رسالة التعليم ليست تلقينًا للمعرفة فحسب، بل بناءٌ للإنسان وصناعةٌ للأثر الممتد في الأرواح قبل العقول. ومن بين هذه النماذج الملهمة، يبرز الأستاذ عبد الرحمن محمد الشعيبي، معلم الدراسات الإسلامية بمدرسة الأمير سعود بن نايف الابتدائية بالمبرز، بوصفه صورةً صادقة للمعلم الذي حمل رسالته بقلبٍ يفيض رحمةً وعطاءً وإنسانية.
لم يكن «الشعيبي» مجرد معلم يؤدي عمله داخل قاعة دراسية تنتهي حدودها مع نهاية الحصة، بل تحولت المدرسة على يديه إلى بيئةٍ تربوية نابضة بالقيم، وصارت المواقف اليومية دروسًا عملية في الرحمة والتواضع والإحساس بالآخرين. فهو يؤمن أن أعظم ما يتركه المعلم في نفوس طلابه ليس ما يكتبه على السبورة، بل ما يغرسه في وجدانهم من أخلاقٍ ومبادئ وسلوك.
وفي مشهدٍ إنساني مؤثر، جسّد الأستاذ عبد الرحمن معنى الوفاء الحقيقي حين بادر بتقديم واجب العزاء لأسرة أحد طلابه، الطفل «وليد متعب الشمري»، ولم يتوقف عند حدود المواساة التقليدية، بل شارك طلابه هذا الموقف الإنساني ليعلّمهم عمليًا أن الوقوف مع الناس في أوقات الحزن صورة من صور النبل التي لا تُنسى. كانت تلك اللحظات درسًا تربويًا عميقًا اختصر معاني الرحمة والتكاتف والوفاء في مشهدٍ واحد.
ويمتد عطاؤه إلى خارج أسوار المدرسة، حيث عرفه المجتمع حاضرًا في ميادين العمل التطوعي؛ يشارك في تفقد الأسر المحتاجة، ويوزع السلال الغذائية، ويسهم بجهده في تنظيف المساجد وتجهيز موائد إفطار الصائمين، ويزور المرضى ويشارك الأسر المتعففة أفراحها وأحزانها، في صورةٍ تجسد حقيقة الإنسان الذي يعيش للناس وبالناس.
أما داخل المدرسة، فقد استطاع أن يبني علاقة استثنائية مع طلابه، تقوم على القرب والحوار والاحتواء. يقضي معهم أوقات الفسح، يستمع إليهم، يشاركهم اهتماماتهم، ويعاملهم بروح الأب الحاني قبل المعلم الموجه. كما يحرص على غرس قيمة التواضع في نفوسهم من خلال مشاركتهم الأعمال الميدانية والاهتمام بالمرافق العامة، ليؤكد لهم أن قيمة الإنسان لا تُقاس بالمظاهر بل بما يحمله من أخلاقٍ وعطاء.
ولأن التربية الحقيقية تقوم على التطبيق لا التنظير، فقد جعل من العبادات سلوكًا عمليًا يعيشونه يوميًا، فدرّب طلابه على الإمامة في صلاة الظهر، وشجعهم على صيام النوافل، ونظم لهم موائد إفطار جماعية تعزز روح الألفة والمحبة بينهم، ليصنع من المدرسة بيئة إيمانية تربوية متكاملة.
ولم يكن مستغربًا أن تحظى هذه المواقف بتقدير واسع في المجتمع التعليمي وبين رواد مواقع التواصل الاجتماعي، الذين تداولوا صوره ومبادراته بكثيرٍ من الإعجاب والدعوات الصادقة بأن يبارك الله في علمه وعمله وعمره، وأن يجعل ما يقدمه في ميزان حسناته.
إن نماذج كهذه ليست مجرد قصص عابرة، بل هي رسائل أمل تؤكد أن في الميدان التربوي رجالًا يصنعون الفرق بصمت، ويزرعون القيم في نفوس الأجيال بأفعالهم قبل كلماتهم. فالأستاذ عبد الرحمن الشعيبي يمثل صورة المعلم الذي تجاوز حدود الوظيفة إلى رسالة سامية عنوانها: الإنسان أولًا.
فهنيئًا للميدان التعليمي بهذه القامات المخلصة، وهنيئًا للطلاب بمن يربّيهم على الأخلاق قبل المناهج، ويبني فيهم روح الرحمة والعطاء والانتماء للمجتمع والوطن. نسأل الله أن يبارك له في علمه وعمله، وأن يجعل ما يقدمه نورًا ممتدًا وأثرًا لا ينقطع.