سهوب بغدادي
أكتب لكم هذا المقال من سيارة الأجرة لأن سيارتي في ورشة الإصلاح، وأحمل معي ثلاث حقائب وكوب ماء كبير، إن الأمر متعب من الصباح الباكر لأني سأذهب إلى التمرين أولا ثم إلى الورشة وأخيرًا إلى العمل، يومٌ متعب، أليس كذلك؟ ولكن أقول «قامن».
إنّ مفهوم Gaman في الثقافة اليابانية يعكس القدرة على التحمل والصبر والثبات في مواجهة الصعوبات دون شكوى أو إظهار التذمر للآخرين. ويُعد من القيم الاجتماعية المتأصلة، ويرتبط بالانضباط، وضبط النفس، واحترام الجماعة، والمحافظة على الهدوء والثبات في الظروف القاسية، ولا يقتصر مفهوم «قامن» على تحمل الألم الجسدي فقط، بل يشمل الضغوطات النفسية، والتحديات اليومية، والأزمات الشخصية والاجتماعية -حمانا الله وإياكم- إذ يُنظر إلى الشخص الذي يمتلك لنقل رباطة الجأش على أنه شخص ناضج وقوي داخليًا، وقادر على الاستمرار والعمل بالرغم من المصاعب والتعب أو الإحباط، لذلك يظهر المفهوم بوضوح في المجتمع الياباني أثناء الكوارث الطبيعية كالزلازل والبراكين أو الأزمات العامة، حيث يحرص اليابانيون على التصرف بهدوء واحترام للنظام وعدم إزعاج الآخرين بالتذمر أو الشكوى عن معاناتهم الشخصية، أيضًا تتم تربية الأطفال منذ الصغر على أهمية الصبر والالتزام وتحمل المسؤولية، مما يجعل ذلك المفهوم أسلوب حياة وليس مجرد فكرة نظرية.
ومع ذلك، فإن الإفراط في التحمل وكبت المشاعر قد يؤدي أحيانًا إلى الضغط النفسي والشعور بالعزلة، خاصة عندما يمنع الإنسان نفسه من طلب الدعم أو التعبير عن احتياجاته، فالإنسان كائن اجتماعي بفطرته، لذلك ظهرت في السنوات الأخيرة نقاشات داخل اليابان حول ضرورة التوازن بين الصبر الصحي والاهتمام بالصحة النفسية والتعبير العاطفي.
خلاصة القول، قامن لا يعني تجاهل الألم، بل التعامل معه بكرامة وهدوء ومراعاة الظروف، ولدينا في ديننا وثقافتنا ما يوازي ذلك المفهوم ألا وهو الصبر الجميل
قال تعالى: {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا} وهو الصبر الذي لا جزع فيه ولا شكوى لغير الخالق، ونعم بالله.