صبحي شبانة
في لحظة إقليمية بالغة الدقة، يقدّم مقال الأمير تركي الفيصل قراءة عميقة لمشهد كان قابلاً للانفجار في أي لحظة بين التصعيد والتهدئة، حيث بدت المنطقة على حافة مواجهة مفتوحة، قبل أن تتقدم الدبلوماسية السعودية بهدوء لتعيد ضبط المعادلة وتمنع انزلاق الشرق الأوسط إلى مسار حرب واسعة كانت ستكون كلفتها باهظة على الإقليم والعالم، ففي الشرق الأوسط، لا تبدأ الحروب دائماً بصاروخ، بل تبدأ غالباً بفكرة خاطئة يظن أصحابها أن النار يمكن التحكم في اتجاهها بعد إشعالها. لكن التاريخ في هذه المنطقة يقول شيئاً مختلفاً؛ فكل مواجهة كبرى تبدأ رهينة لحسابات محدودة خاطئة، ثم تتحول سريعاً إلى زلزال سياسي واقتصادي تتجاوز ارتداداته حدود الجغرافيا التي اندلع فيها. ولهذا لم يكن التصعيد الأميركي الإسرائيلي ضد إيران مجرد أزمة عابرة في نظر المملكة العربية السعودية، بل لحظة شديدة الخطورة كانت تحمل احتمالات إعادة تشكيل المنطقة بأكملها.
ومن هنا جاءت أهمية المقال الذي كتبه الأمير تركي الفيصل، ليس باعتباره تعليقاً سياسياً على حدث إقليمي، وإنما باعتباره شهادة رجل يعرف دهاليز القرار الدولي، ويدرك كيف تتحول الأزمات أحياناً إلى لحظات فاصلة تعيد رسم خرائط النفوذ وموازين القوة. فالأمير تركي الفيصل لا يكتب من موقع المراقب البعيد، بل من موقع السياسي الذي عايش تحولات المنطقة لعقود طويلة، ويعرف كيف تفكر العواصم الكبرى حين تقترب المنطقة من حافة الانفجار. لذلك بدا مقاله وكأنه محاولة لشرح الكيفية التي أدارت بها المملكة واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، حين كانت المنطقة تقف بين احتمالين: حرب قد تمتد لسنوات، أو تهدئة شاقة تحتاج إلى أعصاب دولة تدرك معنى المسؤولية.
لقد أدركت الرياض منذ اللحظة الأولى أن أي مواجهة مفتوحة مع إيران لن تكون حرباً تقليدية يمكن احتواؤها داخل حدود معينة، بل ستكون انفجاراً واسعاً يمتد من الخليج إلى أسواق الطاقة العالمية، ومن الممرات البحرية إلى الاقتصاد الدولي بأسره. فإيران ليست دولة معزولة جغرافياً أو سياسياً، بل لاعب إقليمي متشابك مع ملفات عديدة، وأي مواجهة مباشرة معها كان كفيلاً بتحويل المنطقة كلها إلى ساحة استنزاف مفتوحة. ولهذا لم تتعامل المملكة مع الأزمة بمنطق الانفعال، ولا بعقلية الاستقطابات الحادة، بل تحركت وفق رؤية أكثر عمقاً تقوم على فكرة أساسية: أن منع الحرب قد يكون أحياناً أعظم من الانتصار فيها.
وهذه النقطة تحديداً هي ما يمنح الموقف السعودي أهميته الاستثنائية. فبينما كانت أصوات التصعيد ترتفع، كانت الرياض تتحرك بهدوء دولة تعرف أن تكلفة الحرب لن يدفعها طرف واحد، بل ستتحملها المنطقة بأكملها. فالحروب الحديثة لم تعد مجرد معارك عسكرية، وإنما تحولت إلى كوارث اقتصادية وإنسانية واستراتيجية، تمتد آثارها إلى الأمن الغذائي والطاقة والاستثمار والاستقرار الاجتماعي.
ومن يقرأ ما بين سطور مقال الأمير تركي الفيصل يكتشف أن المملكة لم تكن تدافع فقط عن أمنها الوطني، بل كانت تدافع عن فكرة الاستقرار الإقليمي نفسه. فالسعودية تدرك أن الشرق الأوسط وصل إلى مرحلة لم يعد يحتمل فيها مزيداً من الفوضى، وأن الشعوب التي أنهكتها الصراعات باتت تحتاج إلى التنمية أكثر من حاجتها إلى الشعارات.
ولذلك لم يكن غريباً أن تتحرك الرياض بعقل الدولة التي تنظر إلى المستقبل لا إلى لحظة الغضب العابرة. فالمملكة اليوم تعيش مشروعاً ضخماً لإعادة بناء الداخل، وتنفيذ تحولات اقتصادية وتنموية غير مسبوقة، وهو مشروع لا يمكن أن ينجح في بيئة إقليمية مشتعلة. ولهذا أصبحت حماية الاستقرار جزءاً من الأمن القومي السعودي، لا مجرد خيار سياسي مؤقت.
لقد شهدت السعودية خلال السنوات الأخيرة تطوراً عميقاً في رؤيتها ودورها الإقليمي. فلم تعد مجرد دولة تمتلك ثقلاً سياسياً واقتصادياً، بل أصبحت قوة تمتلك مشروعاً متكاملاً لصناعة المستقبل، وتسعى إلى تحويل المنطقة من ساحة صراعات إلى بيئة للتنمية والاستثمار والشراكات الدولية. ومن هنا بدا الموقف السعودي خلال الأزمة منسجماً تماماً مع هذه الرؤية الجديدة؛ رؤية ترى أن بناء الأوطان أهم من الدخول في مغامرات لا أحد يعرف كيف تنتهي.
وفي الحقيقة، فإن ما كشفه الأمير تركي الفيصل في مقاله يعكس أيضاً تحولاً مهماً في طبيعة الدور السعودي على المستوى الدولي. فالمملكة لم تعد تتحرك باعتبارها مجرد حليف تقليدي لواشنطن، بل باعتبارها قوة إقليمية مستقلة تمتلك رؤيتها الخاصة وحساباتها الاستراتيجية التي تنطلق أولاً من مصالح المنطقة واستقرارها.
وهذا ما بدا واضحاً في طريقة تعامل الرياض مع التصعيد. فبينما كانت بعض القوى تنظر إلى المواجهة مع إيران باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب التوازنات بالقوة، كانت السعودية ترى أن أي انفجار كبير سيؤدي إلى إدخال الشرق الأوسط كله في مرحلة جديدة من الفوضى، وهي فوضى لن تستثني أحداً مهما كان بعيداً عن ميدان المعركة.
فالحرب في الخليج لم تعد مسألة تخص دول المنطقة وحدها، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بالاقتصاد العالمي. وأي اضطراب في الملاحة البحرية أو إمدادات الطاقة كفيل بإحداث ارتباك عالمي واسع، خصوصاً في ظل الأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي يعيشها العالم. ولذلك كانت الرياض تدرك أن مسؤوليتها تتجاوز حدودها الوطنية إلى حماية قدر كبير من الاستقرار الدولي نفسه.
ولعل هذا ما يفسر السياسة السعودية الهادئة خلال الأزمة. لم يكن هناك اندفاع نحو الخطابات الحادة، ولا بحث عن مكاسب إعلامية سريعة، بل كان هناك عمل سياسي هادئ يقوم على الاتصالات والتحركات الدبلوماسية ومحاولة إبقاء أبواب التهدئة مفتوحة مهما ارتفعت حدة التصعيد.
وهنا تحديداً تظهر الفروق بين الدول التي تفكر بعقل الدولة، وتلك التي تتحرك تحت ضغط اللحظة. فالقوة الحقيقية ليست دائماً في القدرة على إشعال المعارك، بل في القدرة على منع المنطقة من الانزلاق نحو الفوضى.
ومن يتأمل المشهد جيداً يدرك أن السعودية كانت تتحرك وهي تدرك أن المنطقة تمر بمرحلة إعادة تشكيل كبرى. فالعالم نفسه يتغير بسرعة؛ هناك صعود صيني متسارع، وتراجع نسبي لفكرة القطب الواحد، وتحولات اقتصادية عميقة تعيد رسم خرائط النفوذ والتجارة والطاقة. وفي خضم هذه التحولات، لم تعد الدول الكبرى تنظر إلى الشرق الأوسط فقط باعتباره مخزوناً للطاقة، بل باعتباره ساحة حيوية للتنافس الاستراتيجي العالمي.
ومن هنا كانت الرياض تدرك أن أي حرب واسعة ستجعل المنطقة مجرد ساحة مفتوحة للصراعات الدولية، وستؤدي إلى استنزاف الجميع دون استثناء. ولهذا اختارت المملكة أن تلعب دور الطرف الذي يسعى إلى إطفاء الحرائق لا توسيعها.
كما أن الموقف السعودي حمل رسالة سياسية بالغة الأهمية، وهي أن المملكة لم تعد تقبل أن يُدار الشرق الأوسط بعقلية المغامرات العسكرية أو الحسابات الضيقة. فالسعودية اليوم تتحدث من موقع الدولة التي تمتلك وزناً سياسياً واقتصادياً يجعلها قادرة على التأثير في مسار الأحداث، لا مجرد التفاعل معها.
وهذا التحول هو أحد أهم ملامح المرحلة الجديدة في السياسة السعودية. فالمملكة أصبحت تتحرك وفق رؤية تقوم على التوازن والانفتاح وصناعة الشراكات، مع الحفاظ في الوقت نفسه على ثوابتها ومصالحها الاستراتيجية.
ولذلك فإن التقارب السعودي الإيراني الذي جرى خلال الفترة الماضية كان جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى تخفيض التوترات الإقليمية ومنع تحويل المنطقة إلى ساحة حرب دائمة. فالسعودية تدرك أن الخلافات يمكن إدارتها بالحوار مهما كانت معقدة، بينما الحروب حين تبدأ تصبح خارج سيطرة الجميع.
وفي تقديري، فإن الرسالة الأعمق في مقال الأمير تركي الفيصل تتجاوز مجرد الحديث عن أزمة محددة، لتصل إلى جوهر الرؤية السعودية الجديدة الحاكمة لاتجاهات المنطقة، فالمملكة لم تعد تنظر إلى دورها باعتباره دور الدولة التي تكتفي بردود الأفعال، بل أصبحت ترى نفسها قوة استقرار إقليمية تسعى إلى حماية المنطقة من الانزلاق نحو الفوضى.
ولهذا لم يكن تحرك الرياض مجرد موقف سياسي مرتبط بظرف معين، بل كان تعبيراً عن فلسفة جديدة في إدارة القوة والنفوذ. فلسفة ترى أن التنمية تحتاج إلى استقرار، وأن الاقتصاد لا ينمو وسط الحرائق، وأن الشعوب لا يمكن أن تبني مستقبلها وهي تعيش تحت تهديد الحروب المستمرة.
إن المقال الذي كتبه الأمير تركي الفيصل يكشف بوضوح أن السعودية باتت تدرك موقعها الجديد في العالم، وتفهم أن الدول الكبرى لا تُقاس فقط بما تملكه من قدرات عسكرية أو اقتصادية، بل أيضاً بما تملكه من حكمة وقدرة على منع الانهيار.
وفي منطقة اعتادت أن تسمع أصوات الصواريخ أكثر مما تسمع لغة العقل، اختارت المملكة أن تكون صوت الاتزان وسط العاصفة، وأن تدافع عن الاستقرار في لحظة كان الجميع يقترب فيها من حافة النار.
وربما لهذا السبب تحديداً بدا الموقف السعودي مختلفاً. فبينما انشغل البعض بحسابات الحرب، كانت الرياض تفكر في اليوم التالي للحرب؛ في الاقتصاد، والطاقة، والتنمية، ومستقبل المنطقة بأسرها.
وهنا يكمن جوهر السياسة حين تمارسها الدول الكبرى: أن ترى ما بعد الدخان، لا أن تنشغل فقط بلحظة الاشتعال.