د. إبراهيم بن جلال فضلون
حين تتحول طاقات المرأة من هامش اقتصادي إلى قلب الإنتاج، فإن الاقتصاد لا ينمو فقط.. بل يعيد تعريف ذاته، فتمكين المرأة ليس مجرد غاية اجتماعية، بل هو ضرورة اقتصادية حتمية لبناء اقتصاد مرن ومستدام يقودنا نحو الريادة العالمية، وهُنا نتأكد بأن رؤية السعودية 2030 لم تعد مجرد وثيقة طموحة، بل أصبحت واقعاً ملموساً يتدفق في عروق الاقتصاد الوطني، فالمملكة التي كانت تواجه تحدياً هيكلياً في بطالة السعوديات، استطاعت خلال أقل من عقد أن تعيد صياغة المعادلة، فتحولت من كونها «طاقة معطلة» إلى «محرك رئيس» للنمو وخفض معدلات البطالة، محولةً التحديات التاريخية إلى فرص استثمارية ضخمة تدعم استقرار الدولة في قصة تنموية تستحق التوقف والتحليل.
خلال السنوات الثلاث الماضية، وفي ظل الاضطرابات الاقتصادية العالمية، أثبت الاقتصاد السعودي متانة استثنائية، سجل الاقتصاد السعودي متوسط نمو بلغ 4.5 في المائة، متجاوزاً كثيراً من التوقعات العالمية، هذا الأداء لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج توسع هيكلي عميق؛ إذ نما الاقتصاد بمعدل إجمالي وصل إلى 31 في المائة منذ إطلاق الرؤية، مدفوعاً بتسارع الأنشطة غير النفطية بنسبة 60 في المائة مقارنة بخط الأساس، ساهمت بـ55 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وارتفاع مساهمة القطاع الخاص إلى 51 في المائةيعكس ديناميكية متزايدة في بيئة الأعمال، مدعومة بإصلاحات تشريعية تجاوزت 2200 إصلاح، ولم يكن مستغرباً أن تحقق 93 في المائةمن مؤشرات الرؤية مستهدفاتها أو تتجاوزها، في مؤشر على نضج منظومة التنفيذ. ما أسهم في رفع كفاءة الاقتصاد وتعزيز استقراره، بل ترجمته الدولة إلى إنفاق حكومي ضخم ومستمر في دلالة واضحة على نجاح سياسات التنويع الاقتصادي.
إن «المليون» في سوق العمل ليس مجرد رقم، بل تحولاً وصفه المحللون بـ»التاريخي» وكسر الحواجز، حيث تجاوز عدد السعوديات العاملات في القطاع الخاص المليون وظيفة لأول مرة، مستحوذات على نحو 563 ألف وظيفة من أصل 872 ألف وظيفة جديد، وارتفعت نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل إلى 35 في المائة بنهاية 2025، مقارنة بـ17 في المائة فقط في 2016، مع طموح مستهدف يصل إلى 40 في المائة بحلول 2030.
هذا الإنجاز هو حجر الزاوية في خفض معدل البطالة الإجمالي للمواطنين، الذي اقترب من أدنى مستوياته تاريخياً عند 7.2 في المائة بنهاية عام 2025، مقارنة بـ12.3 في المائة عند انطلاق برنامج الإصلاح، بعد أن كان أحد أبرز التحديات قبل إطلاق الرؤية، حيث انخفضت بطالة السعوديات من 34.5 في المائة إلى 10.3 في المائة خلال الفترة ذاتها. ولم يقتصر الأمر على الكم، بل شمل الكيف أيضاً؛ حيث تتبوأ النساء اليوم 43.9 في المائة من المناصب الإدارية المتوسطة، مما يعكس عمق التأهيل والقدرة القيادية التي تتمتع بها المرأة السعودية اليوم.
لقد بدت ملامح التمكين والأنشطة القائدة للتحول مدعوماً بسياسات حكومية ذكية، فلم يكن هذا الارتفاع في مشاركة المرأة، التي وصلت إلى 35 في المائة بنهاية 2025 (متجاوزة مستهدف 2030 الأولي بـ10 أعوام)، وليد الصدفة، والسبب الرئيس مثلث مراحلي بدأ من رفع القيود عن العمل في مجالات متعددة ومساواة الأجور، ثُم تعديل نظام الأمومة وتقديم برامج دعم مباشرة مثل «قرة» لرعاية الأطفال بخدمات مساندة 52 ألف مستفيدة و»وصول» لتسهيل التنقل وتحمل 80 في المائة من تكاليف النقل، وأخيراً تحمل الدولة لـ80 في المائة من تكلفة انتقال العاملات وتأنيث العديد من الأنشطة الاقتصادية ببرامج تدريب وتأهيل لأكثر من 1700 قيادية تم تدريبهن، حيثُ تركز في 5 أنشطة رئيسة لم تكن فقط مولدة للوظائف، بل شكلت جسراً حقيقياً لدمج المرأة في الاقتصاد، خصوصاً في الأنشطة التي كانت تقليدياً أقل استقطاباً للنساء، ساهمت بأكثر من نصف الوظائف الجديدة في القطاع الخاص، وهي: الصناعات التحويلية، التشييد، الخدمات الإدارية، النقل والتخزين، والأنشطة التقنية والعلمية.
وإذا أردنا قراءة المستقبل، علينا النظر إلى قطاع الصناعة وإعادة تشكيل هويته الاقتصادية، كأحد أهم محركات النمو، منذ تأسيس وزارة مستقلة للصناعة والثروة المعدنية في 2019، انتقل القطاع من المسار التصاعدي إلى «التسارع الفائق»، وهنا تكشف البيانات المحدثة حتى نهاية 2025 عن حقائق مذهلة:
- نمو المنشآت: ارتفع عدد المصانع من 8,822 منشأة في 2019 إلى أكثر من 13 ألف منشأة بحلول 2025، بنمو تجاوز 47 في المائة.
- حجم الاستثمارات: قفزت الاستثمارات الصناعية من 908 مليارات ريال إلى أكثر من 1.2 تريليون ريال، بزيادة تقارب 32 في المائة.
- هيكل الصادرات: ارتفعت حصة الصادرات غير النفطية من إجمالي الصادرات لتصل إلى 44 في المائة في النصف الأول من 2025، مقارنة بـ28 في المائة في 2016، بنمو نسبي يقارب 57 في المائة.
هذا التوسع لم يكن كمياً فقط، بل نوعياً، حيث أصبحت المدن الصناعية منصات متكاملة للإنتاج والتصدير، مع نمو عددها إلى 42 مدينة صناعية في 2025. وتعكس نجاح سياسات «المحتوى المحلي»، الذي ارتفعت نسبته من 28 في المائة في 2018 إلى 51.5 في المائة في الربع الثالث من 2025، مما يعني خلق فرص عمل مستدامة وتقليل الاعتماد على الواردات.
إن استمرار المملكة في تحقيق 93 في المائة من مستهدفات برامج الرؤية المرحلية يؤكد أننا أمام نموذج تنموي عالمي، حيثُ تُشير التوقعات إلى استمرار نمو المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي تجاوزت 1.7 مليون منشأة، وزيادة أصول صندوق الاستثمارات العامة لتصل إلى 3.41 تريليون ريال وزيادة الاستثمارات في قطاعات محددة بأكثر من 30 في المائة، كما ارتفعت نسبة تملك المساكن إلى 66.24 في المائة، ووصلت نسبة التغطية بالخدمات الصحية إلى 97.5 في المائة، مما يؤكد أن الاقتصاد ينمو جنباً إلى جنب مع جودة الحياة، بل ويُتوقع أن يستمر دور المرأة في التوسع، خاصة في قطاعات التقنية والخدمات المهنية، ما يعزز من استدامة النمو ويقلل من التقلبات الاقتصادية.
وقفة
«الاقتصادات التي تستثمر في الإنسان، وتمنح المرأة دورها الكامل، لا تحقق النمو فقط.. بل تصنع مستقبلاً أكثر توازناً واستدامة». فما نراه اليوم من طوفان الإنجازات هو ثمرة العمل بروح «الفريق الواحد» تحت قيادة ملهمة، أثبتت فيها سواعد السعوديات أنها لا تصنع الوظائف فحسب، بل تصنع مجد وطن يرفض إلا أن يكون في الطليعة، ويثبت أن رؤية 2030 لم تعد مجرد حلم، بل هي ميثاق وطني تكتب المرأة السعودية فصوله الأكثر إشراقاً بسواعدها المخلصة».