د. نمشة محمد العجمي
في كل عام، يتخرج آلاف الطلاب حاملين شهاداتهم بثقة واستعداداً لخوض مسيرتهم المهنية، وفي المقابل تسعى المؤسسات لاستقطاب كفاءات تُسهم في بناء مستقبل واعد. وفي خضم هذا اللقاء بين الطموح والواقع، جاء توجه المملكة نحو الاختبارات المعيارية ممثلةً ببرنامج «جاهزية» الصادر عن هيئة تقويم التعليم والتدريب، ليُجيب على سؤال جوهري طالما أحتاج إلى إجابة واضحة: هل يمتلك خريجونا الكفاية الحقيقية التي يحتاجها سوق العمل؟ لم يعد السؤال «كم حصلت؟» بل أصبح «ماذا تستطيع أن تقدم؟» وهذا التحول في حد ذاته يمثل نقلة نوعية في فلسفة التعليم بأكملها، ويعكس وعياً وطنياً متقدماً بأن جودة التعليم تُقاس بأثرها لا بمدته. وتنبع أهمية هذا التوجه من مبدأ تربوي عميق تُرسّخه حركة التربية القائمة على الكفايات، وهو أن الإتقان ثابت والوقت متغير لا العكس. فالمتعلم الحقيقي ليس من أنهى المقرر في موعده فحسب، بل من خرج قادرًا على التفكير والتطبيق والإنتاج في مواقف الحياة الحقيقية. ولعل ما يميز برنامج «جاهزية» أنه لا يكتفي بقياس التحصيل المعرفي، بل يمتد ليشمل المهارات والقيم التي يحتاجها الخريج فعلًا في بيئة العمل، وهو بذلك أداة بنّاءة تمنح المؤسسة التعليمية بوصلة واضحة نحو تطوير مستمر، وتمنح الطالب صورة واضحة عن موقعه الحقيقي على طريق الكفاءة.
والمملكة ماضية في هذا الاتجاه بخطى واثقة؛ فرؤية 2030 وضعت بناء الكفايات الإنسانية في صدر أولوياتها، وجاء برنامج تنمية القدرات البشرية ترجمةً عملية لهذا التوجه، حين ربط مخرجات التعليم بمتطلبات سوق العمل ومعايير المنافسة العالمية. واستكمال هذا المسار يرتكز على ثلاثة محاور: أولها توظيف نتائج القياس في خطط تحسين حقيقية داخل كل برنامج أكاديمي بدلًا من الاكتفاء بالاطلاع عليها، وثانيها دعم أعضاء هيئة التدريس وتمكينهم من تصميم خبرات تعلم تُنتج كفاية حقيقية لا درجة فحسب، وثالثها ترسيخ ثقافة التقويم المستمر القائم على الأداء بوصفها ممارسة مؤسسية راسخة تعيشها المدرسة والجامعة يومًا بيوم، لا إجراءً موسمياً يُستحضر عند الحاجة.
التعليم القائم على الكفايات هو الاستجابة الطبيعية لتطلعات وطن يبني اقتصاده المعرفي بكفاءة أبنائه وقدراتهم الحقيقية. وما أطلقته المملكة من مبادرات قياس ومعايرة للمخرجات التعليمية ليس نهاية المطاف، بل هو بداية مسار تحسين متواصل يضع الإتقان في قلب العملية التعليمية. وحين تُصبح كل مؤسسة تعليمية سؤالها الأول «هل أتقن طلابنا؟» إلى جانب «هل أنهينا المقرر؟»، فعندها نكون قد أضفنا بُعدًا جديدًا لمعنى النجاح، وصنعنا خريجًا يستحق مستقبله ويُسهم في بناء وطنه.