د. رنا بنت عبدالله الغامدي
في أحد لقاءات العمل غير الرسمية، كنت أشارك بتعليق عابر، أُدلي بدلوي، وأقتطع لنفسي كسرة من خبز الحديث.
وبكل عفوية، خرجت مني عبارة قديمة سمعتها من (سِتّي) رحمها الله: الحي يحييك والميت يزيدك غبن».
ساد الصمت لحظة، والتفتت الأنظار نحوي، كأنني استحضرت صوتًا من زمنٍ آخر لا ينسجم مع جيلي، أو ربما لأن «بريستيج» الأستاذ الجامعي العصري لا يُفترض به أن يحمل على لسانه هذا الإرث الشعبي القديم..
لكن الحقيقة، أن الأمثال ليست محصورة بزمن وليست لمجرد عبارات، بل هي ذاكرة، وصوت، واستحضار لسرعة البديهة في جملة تختصر كلمات طويلة.
عدت بذاكرتي إلى أمثال سمعتها من (سِتّي) ومن كبار الأسرة، وأمثال من باقي مناطق المملكة حفظتها من رفقاء الغربة أيام الابتعاث وما زالت عالقة، تتدلّى من بين الشفاه كلما ناسبها السياق.
في بداياتي المهنية، كنت أؤمن أن الطريق واضح، وأن الجهد يكفي، وأن «النوايا تسند الزير» فأردد كما كانت (ستي) تقول: «من جدّ وجد ومن زرع حصد»
لكن الحياة لم تتركني طويلًا في هذه البساطة، فجاءني درسها التالي: «تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن»، وأدركت أن كل المشاريع والخطط لا تنجح من أول محاولة، وأن التعثّر ليس نهاية الطريق، بل جزء منه وهكذا كنت أصبر نفسي مع كل تجربة خاطئة في المختبر وأعيد الكرة حتى تنجح لأن «كثرة الدق تفك اللحام».
وفي أحد المواقف المهنية استوجب عليّ قول هذا المثل لكن بصوت خافت: «مو كل من صف الصواني صار حلواني»، لهذا الزميل الذي يدعي معرفة كل شيء رغم انعدام خبرته وقاد أحد المشاريع وانتهى بإفساد الأمور ولجأ إليّ من أجل النصيحة. لذلك «ليس كل ما يلمع ذهبًا»، ولا كل من زعم أنه خبيرًا صادق في زعمه «لأن التجربة خير برهان».
وفي التعامل مع الناس، كنت دوماً أقدم التقدير وحسن النوايا، حتى أدركت معنى «اللي ما يعرفك ما يثمنك» وذلك بعد التعامل مع شخص أهوج يعتقد أن كل أفراد الفريق أقل منه خبرة ومعرفة ومكانة فكنت أواسي كل متظلم من الفريق بذلك المثل.
ثم همست لي الأيام بأن «الدنيا دوّارة»، فما تزرعه يعود إليك، يومًا ما، بطريقة لم تتوقعها، فهذه الزميلة التي ترفض التعاون والمساهمة في أعمال المختبر أو حتى مشاركة خبراتها أتت تطلب المساعدة من الزملاء في أحد التجارب ووجدت أن الكل أدار لها ظهره وتجاهل طلبها، قلت لهم ساعدوها لأن «المسامح كريم» فقال أحدهم: ما أعرف إلا «كريم بنزيما»، ضحك الجميع وعضت الزميلة أصابع الندم وفُضت الشراكة البحثية بلا رجعة.
وفي جميع العلاقات سواء المهنية أو الشخصية “من جاور السعيد يسعد» فكلما كانت علاقاتك قوية مع الناجحين أو أصحاب القرار كلما ارتفعت مراتبك وانهمرت عليك المناصب والمميزات، لأن «الصاحب ساحب»، إما أن يرفعك، معه أو يهوى بك حيث لا تحمد العقبى.
وفيما يخص الحفاظ على الموارد والممتلكات المشتركة لجهة العمل، كنت ألاحظ أحيانًا كيف تُترك الأنوار والأجهزة تعمل بعد مغادرة المكاتب، وكيف تُستخدم أوراق الطباعة بلا اكتراث، وتُهدر بلا حاجة وفي مثل هذه التفاصيل الصغيرة، مرّ في ذهني قول (سِتّي): «جلدٍ مو جلدك جرّه على الشوك»، وكأنها تختصر المشهد كله، حين لا نشعر بالمسؤولية وملكية الأشياء، للأسف يسهل التفريط والاسراف فيها.
هناك مثل قالته لي صديقتي القصيمية بأني «أولم العصابة قبل الفلقة» تصف فيها أحد عاداتي السيئة وهي وضع السيناريوهات السلبية في خطة العمل دائما قيد الاحتمال مع الاستعداد لها بخطط بديلة، هي ترى هذا الطبع تشاؤم وينحس الأمور، هناك خيط رفيع بين الحذر والتشاؤم لكن أحب أن أصف سلوكي بأنه داخل في باب تحليل المخاطر.
اخيراً، الأمثال والأقوال الشعبية والفصيحة منها، لا تعد ولا تحصى، وبعض المواقف والمواجهات الصعبة قد تعصف بنا بدون انذار لكن القوة ليست في سرعة الرد، بل في ضبطه. لآن أفطن ما يملكه الإنسان هو ألا يُستفز بسهولة، وأن يختار الصمت عندما يكون الصمت أبلغ من الكلام وكما قالت المرحومة ستي: «خليها في القلب تجرح ولا تطلع لبرا وتفضح».