فاطمة الجباري
في زاويةٍ من بيتٍ قديم، حيثُ تتسلّل الشمس بخجلٍ من نافذةٍ صغيرة.
كنتُ أجلسُ طفلةً، أضمُّ المصحف إلى صدري كأنني أخشى أن يفلت مني النور.
أرتّل ببطء...
أتعثر أحيانًا، وأتوقف.
فيأتي صوته.
لم يكن يقرأ... لكنه كان يعرف.
لم يحمل قلمًا يومًا، لكنه حمل في صدره ما تعجز عنه الكتب.
كان جدي يردّ عليّ بهدوء، يصحح لي، وكأن الكلمات محفوظة في قلبه لا في سطورٍ مكتوبة.
أرفع رأسي إليه بدهشة الطفولة: كيف يعرف... وهو الذي لم يتعلم القراءة؟
لكنه كان يبتسم فقط. ابتسامة من يعرف أن العلم ليس حبرًا على ورق، بل نورٌ إذا استقر في القلب، أضاء.
كان شاعر المناسبات، إذا حضر الفرح أنشد، وإذا مرّ الحزن قال ما يخفف وطأته.
كلماته تشبه الأرض التي عاش عليها؛ بسيطة... صادقة... لكنها تصل.
أجلس بقربه، أستمع، ولا أفهم كل شيء... لكنني أشعر بكل شيء.
كبرتُ، وما زال ذلك المشهد يسكنني: طفلة تقرأ، ورجلٌ أميّ يصحح لها.
وأتساءل الآن: هل كانت تلك البيئة، برائحة البحر وهمس المزارع، هي من صنعت فيه تلك الموهبة؟
أم أن صفاء روحه، وسرعة بديهته، كانا سرّه الخفي؟
ربما... كان الاثنين معًا.
لكن ما أعلمه يقينًا، أن بعض الناس لا يتعلمون القراءة.
لأنهم خُلقوا ليُقرأ بهم.