إيمان حمود الشمري
تلك الطبقة التي تحمل المجتمع بصمت، تقع في المنتصف كخط استواء يحقق التوازن والاستقرار ويمنع الاختلال. هي ليست طبقةً تسكن منتصف الأرقام، بل منتصف الحياة نفسها.
قد تختلف من مجتمع لمجتمع، ولكن الذي لا خلاف عليه أنها صمام الأمان الاجتماعي والمحرك الاقتصادي الحقيقي للبلد، هم الموظفون الحكوميون، والعاملون في القطاع الصحي، والمعلمون والمعلمات، والإعلاميون، وموظفو الشركات، وهم أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة، هم الطبقة الأكثر استهلاكاً وإنفاقاً، الذين نجدهم في المحلات التجارية والمطاعم والمقاهي، حيث يلعبون دوراً كبيراً في تنشيط السوق المحلي.
تاريخيًا برزت الطبقة الوسطى بالسعودية في السبيعنيات، بعد الطفرة النفطية، وقد ساهمت الإصلاحات والتحولات الأخيرة في المملكة بإعادة تشكيل الطبقة الوسطى وجعلتها أكثر ازدهاراً بتوسيع الفرص أمامها، لتستفيد من التحولات الاقتصادية الجديدة، وترفع من سقف طموحاتها من الاكتفاء إلى الطموح، ومن التفكير بالاستقرار فقط إلى رفع جودة الحياة، فهي لم تعد طبقة الأحلام المؤجلة! فهذا الحراك الاقتصادي الذي يحدث في السعودية ليس عشوائياً، ولا هدفه المباني العالية فقط، وإنما أيضاً يسعى لتعريض شريحة الطبقة المتوسطة من خلال توسيع وتنويع الجامعات وتسهيل فرص التعليم، وتوفير المنح الدراسية، لرفع مهارات وكفاءة المواطن السعودي، ولا شك أن وجود قطاع حكومي قوي وشركات كبرى توفِّر وظائف ثابتة برواتب منتظمة، مما يسمح للناس ببناء حياة مستقرة، إضافة لاتساع المشاريع التي أيضاً تخلق فرصاً وظيفية. ليظهر بعد ذلك جيل يستطيع أن يمتلك منزلاً ويسافر للترفيه والاستمتاع، ويتعلم ويشعر بالأمان والاستقرار، فكلما كانت هذه الطبقة مطمئنة ومتفائلة، انعكس ذلك على تعزيز الاستقرار وتماسك النسيج المجتمعي. فهي طبقة تشتري بحساب، وتفرح باعتدال، وتخاف المستقبل أكثر مما تتباهى بالحاضر.
لا صاخبة كالثروة، ولا موجعة كالفقر، لكنها اليد الخفية التي تُبقي المدن مضاءة، والحياة سائرة بإيقاعها الطبيعي. لأنها حتى عندما تشتهي، تعرف كيف تؤجل رغباتها كي تحمي استقرارها، وتعطي رسالة لأبناء الطبقة الأقل أن الارتقاء بحياة كريمة ممكن، مع الاجتهاد والسعي للنمو والتطور، ورسالة لأبناء الطبقة الأعلى أن المتعة ليست بالضرورة أن تكون باهظة التكاليف!
تلك هي الطبقة الوسطى، المساحة الآمنة التي لا يطغى فيها الترف على المعنى، ولا الحاجة على الكرامة.