د. عبدالعزيز بن غازي الغامدي
ليس كل ما يبدو منطقياً على الورق يصلح كسياسة تنموية. فبين من يرون في نقل الكليات حلاً إدارياً سريعاً، ومن يدركون أنَّ الجامعات ليست خرائط تُعاد رسمها، بل أنظمة معرفية تتراكم عبر الزمن، يَكمُن الفرق بين قرار يُحسِّن الكفاءة مؤقتاً، وقرار يُعيد تشكيل المستقبل على أسس أعمق وأكثر استدامة.
وعلى هذا النحو، يبرز مقترح نقل كلية علوم الأغذية والزراعة والذي جاء في مقال الدكتور محمد الخازم بصحيفة الجزيرة كمثال واضح على الغموض الذي يكتنف العلاقة بين جغرافيا المكان وجغرافيا التأثير لدى بعض الكُتَّاب.
وفي ضوء رؤية المملكة 2030، لم تعد مؤسسات التعليم كيانات تعليمية تقليدية، بل أصبحت جُزءاً من منظومة وطنية متكاملة لإنتاج المعرفة وإحداث أثر تنموي. لذا، تكتسب المناقشات المتعلقة بإعادة توزيع الكليات والتخصصات الجامعية حساسية تتجاوز البُعد الإداري لتصل إلى البُعد الإستراتيجي المرتبط بمستقبل التنمية الوطنية.
وفي هذا السياق، طَرَحَ مؤخراً الدكتور محمد الخازم في مقاله المشار إليه سابقاً، اقتراح نقل كلية علوم الأغذية والزراعة من جامعة الملك سعود إلى جامعة الأمير سطام بن عبدالعزيز أو غيرها، انطلاقاً من فكرة قُربها من البيئة الزراعية في محافظة الخرج على سبيل المثال. ورغم أنَّ هذا الاقتراح قد يبدو قائماً على منطق تنظيمي بسيط، إلا أنَّ قراءته في ضوء التحولات المؤسسية الراهنة تكشف عن قضية أعمق تتعلق بطبيعة ووظيفة مكان المعرفة في اقتصاد حديث قائم على الترابط لا التجزئة.
وتشهد جامعة الملك سعود لحظة محورية في تاريخها المؤسسي، إذ تحوّلت إلى مؤسسة أكاديمية مستقلة غير ربحية تحت مظلة الهيئة الملكية لمدينة الرياض. ويدعم هذا التحوّل دورها في خطة التنمية الشاملة للعاصمة. ولم يكن هذا التغيير شكلياً فحسب، بل إعادة تموضع الجامعة ضمن إطار حوكمة حديث، رابطاً مكوناتها الأكاديمية مباشرةً بمراكز صُنع القرار التنموي والاقتصادي.
ومن هذا المنطلق، لم تعد كليات الجامعة وحدات يمكن إعادة توزيعها بمعزل عن هذا الإطار الشامل، بل أصبحت عناصر أساسية ضمن نظام معرفي واقتصادي مترابط، حيث تتقاطع السياسة العامة مع البحث العلمي والابتكار. لا يتعلق الأمر بالموقع الجغرافي، بل بجغرافيا النفوذ. تكمُن المشكلة الأساسية في اقتراح نقل الكلية مِن الرياض ليس في الموقع الجغرافي بحد ذاته، بل في كيفية فهم العلاقة بين المعرفة والتنمية.
لم تَعُد الزراعة وعلوم الأغذية تخصصات إنتاجية تقليدية؛ بل أصبحت جزءاً مِن منظومة الأمن المائي والغذائي، وحماية الموارد الطبيعية، وسلاسل الإمداد، والتقنيات الزراعية، والصناعات الغذائية المتقدمة. ولا يتشكل هذا النظام بمعزل عن غيره، بل ضمن مراكز صنع القرار الاقتصادي والهيئات التنظيمية وشراكات البحث والاستثمار.
وعليه، تبرز الرياض اليوم كمركز حضري اقتصادي متقدم، حيث تتلاقى مؤسسات الدولة الكبرى والشركات الوطنية ومراكز الابتكار، مما يمنح التخصصات الإستراتيجية قدرة أكبر على التأثير والتحول إلى قيمة اقتصادية ملموسة. في المقابل، لا تزال المناطق الزراعية، على الرغم من أهميتها الإنتاجية بيئات للتطبيق والتشغيل، ولكن ليست مراكز لصُنع السياسات أو تطوير أنظمة معرفية معقدة.
ومن منظور الحوكمة وإدارة الأصول العامة، لا يمكن النظر إلى كلية علوم الأغذية والزراعة على أنها مجرد مبانٍ أو برامج قابلة للنقل وكأنها «مقطورة» يُمكِن جَرّها إلى أي مكان؛ بل هي رصيد معرفي تراكم على مدى أكثر من ستين عاما من الاستثمار في الكوادر الأكاديمية والبحث العلمي والبنية التحتية والشراكات المؤسسية. حيثُ تَضمُ الكلية اليوم مختبرات متطورة ومزارع تعليمية ومحطات بحثية وخبرات أكاديمية وبحثية وشبكات تعاون وطنية، جميعها ضمن بيئة أكاديمية تطبيقية مؤسسية مستقرة. لذا، فإن نقلها ليس مجرد تغيير للموقع، بل هو إعادة بناء نظام معرفي متكامل من الصفر، مع ما يترتب على ذلك من تكاليف باهظة من حيث الوقت والموارد المالية والبشرية واستمرارية البحث العلمي.
لذا السؤال الأهم لَيس: أين ننقُل الكلية؟ ولكن: هل سيؤدي النقل فعلاً إلى زيادة الكفاءة، أم إلى تفكيك القيمة المتراكمة خلال ستين عاما؟
تعمَل الكلية اليوم ضمن شبكة وطنية واسعة من الشراكات مع قطاعات الزراعة والغذاء والمياه والبيئة، بالإضافة إلى مشاركتها في مشاريع الأمن المائي والغذائي والتحول التقني. ولا تقوم هذه الشبكة على الموقع الجغرافي، بل على التكامل المؤسسي بين التعليم والبحث العلمي والقطاعات الإنتاجية.
وتؤكد تجارب الجامعات الدولية الكبرى هذا التوجه؛ إذ تُدار الكليات الزراعية في الجامعات الأمريكية مثل كورنيل، وجامعة كاليفورنيا في ديفيس، وجامعة فاغينينين بهولندا كمراكز معرفية مُستقرة، تُوسِّع نطاق تأثيرها من خلال محطات البحث والشراكات الميدانية، دون المساس بجوهرها المؤسسي والمكاني.
ويعكس هذا النموذج مبدأً واضحاً يتمَثَّل في أنَّ تعزيز التأثير لا يتطلب تفكيك المركز، بل توسيع نطاقه.
وبالتالي، فإنَّه بديل للاقتراح غير الواقعي لنقل الكلية من الرياض، هُناك بدائل أكثر توازناً وفعالية، أبرزها:
* إنشاء محطات بحثية متطورة في المناطق الزراعية بالمملكة.
* توسيع نطاق الشراكات التطبيقية مع القطاعين الزراعي والصناعي في مختلف مناطق المملكة.
* تعزيز نموذج المركز والفروع الذي يربط إنتاج المعرفة في الرياض بالتطبيق الميداني.
في النهاية لم يَعُد معيار تقييم المؤسسات الأكاديمية هوَ موقعها الجغرافي، بل قُدرتها على إحداث أثر تنموي مستدام قائم على المعرفة. وبناءً على ذلك، فإنَّ الإبقاء على كلية علوم الأغذية والزراعة في موقعها بجامعة الملك سعود ليس خياراً إدارياً تقليدياً، بل هو خيار إستراتيجي يتماشى مع منطق الحوكمة الحديثة التي تقوم عليها رؤية المملكة 2030.
حيث لا تُقاس القوة اليوم بإعادة توزيع المعرفة، بل بقدرتها على التمركُز، حيث يتكامل العلم مع صنع القرار، والبحث العلمي مع الاقتصاد، والمعرفة مع التنمية.
وفي هذا السياق، تكمُن القيمة الحقيقية للجامعة في المكان الذي يكون لها فيه أكبر الأثر، وليس في المكان الذي قد تُنقَل إليه جغرافياً. وبالتالي، ليس كل ما يبدو «إعادة توزيع» هو في الواقع تنمية، ففي بعض الأحيان يكون تفكيكاً صامتاً لبنية معرفية تراكمت على مدى عقود، وليس مجرد تغيير في الموقع الجغرافي.
** **
- كلية علوم الأغذية والزراعة، جامعة الملك سعود