د. عبدالعزيز بن غازي الغامدي
تشهد المملكة تحولاً بيئياً يتجاوز تطوير السياسات البيئية التقليدية، ويعكس إعادة هيكلة شاملة لإطار الحوكمة البيئية في سياق رؤية المملكة 2030 . وتستند هذه إلى فرضية أن التحول البيئي الجاري لا يمثل مجرد توسع للأدوات التنظيمية، بل تحولاً نوعياً في «نمط إدارة العلاقة بين الدولة والبيئة»، من الإدارة المؤسسية إلى الحوكمة النظامية متعددة المستويات.
من الإدارة البيئية إلى إعادة هندسة العلاقة مع النظام البيئي
يمثل التحول البيئي في المملكة نقلة نوعية في المؤسسات ضمن إطار رؤية 2030. ولا يمكن تفسير هذا التحول بمجرد زيادة المبادرات أو توسيع الأطر التنظيمية، بل بتغيير جذري في منطق الحوكمة نفسه. وتعكس التجربة السعودية في هذا السياق تحولاً من إدارة البيئة كقطاع مستقل إلى إدارتها كنظام تفاعلي ضمن إطار التنمية الشاملة. ويشير هذا التحول إلى إعادة تعريف التنمية نفسها كنظام قائم على التوازن بين النمو الاقتصادي، والقدرة الاستيعابية للنظم البيئية، وكفاءة استخدام الموارد، وجودة الحياة.
البيئة كعنصر هيكلي في نظام صنع القرار التنموي
في التطورات الحديثة في علم الاستدامة، لم تعد البيئة تُعامل كمتغير تابع، بل كمتغير مؤثر في صياغة السياسات العامة. وفي الحالة السعودية، يتجلى هذا التحول من خلال دمج الاعتبارات البيئية في مراحل التخطيط المبكرة، وليس فقط في تقييمات الأثر البيئي اللاحقة. يعكس هذا تحولاً جذرياً في نموذج التفكير: من منطق تصحيحي إلى منطق وقائي هيكلي. وبذلك، تصبح البيئة جزءاً لا يتجزأ من عملية صنع القرار التنموي، وليست مجرد نتيجة لها.
إعادة صياغة الحوكمة البيئية: من التنظيم إلى التنفيذ القائم على البيانات
يشهد النظام البيئي في المملكة تطوراً في أدوات الحوكمة، إذ ينتقل من التركيز على التشريعات إلى التركيز على الإنفاذ والقياس. يمثل هذا التحول أحد أهم جوانب الحوكمة المستدامة الحديثة، حيث تُقاس الفعالية الآن من خلال: أنظمة الرصد البيئي الآنية، ومؤشرات الامتثال البيئي، وعمليات التفتيش الميداني القائمة على تقييم المخاطر، وإدارة البيانات البيئية كأداة للحوكمة. ويعكس دور الهيئات التنظيمية البيئية تحولاً من «الإشراف الإداري» إلى «الإشراف الذكي القائم على البيانات».
البُعد المكاني: إعادة تعريف المدن كنظم بيئية، لا مجرد تجمعات حضرية
يُعدّ دمج البُعد البيئي في التخطيط الحضري أحد أهم التحولات الهيكلية. وقد أدى ذلك إلى إعادة تعريف المدينة باعتبارها «نظاماً بيئياً حضرياً متكاملا»، بدلاً من مجرد التوسع الحضري. ويتجلى هذا التحول في الانتقال من نموذج النمو الحضري الأفقي إلى نموذج الكفاءة البيئية الحضرية. تُقاس المدن الآن بمؤشرات مثل البصمة الكربونية الحضرية، وكفاءة الطاقة، والغطاء النباتي الحضري، وجودة الهواء، والصحة البيئية. ويعكس هذا تحولاً في فلسفة التخطيط من «التوسع» إلى «الاستدامة المكانية».
التنوع الحيوي: من الحماية إلى استعادة النظم البيئية
يمثل التنوع الحيوي في المملكة محوراً إستراتيجياً ضمن سياسة الاستدامة. ومع ذلك، لم يعد يُدار من خلال الحماية فقط، بل أيضاً من خلال استعادة النظم البيئية. تشمل السياسات: إعادة توطين الأنواع المهددة بالانقراض، وإدارة المناطق المحمية كنظم بيئية حية، وبرامج الإكثار وإعادة التوطين، والحماية المتكاملة للنظم البيئية البحرية والبرية. ويشير هذا إلى تحول من إدارة «الأنواع» إلى إدارة «النظام البيئي ككل».
إعادة تأهيل الأراضي: التشجير كأداة لإعادة التوازن البيئي
تُفهم برامج التشجير وإعادة تأهيل الغطاء النباتي ضمن إطار علمي أوسع: استعادة وظائف النظام البيئي. لا يقتصر الهدف على زيادة المساحات الخضراء فحسب، بل يشمل أيضاً: تحسين ديناميكيات التربة، وتعزيز عزل الكربون، واستعادة التوازن الهيدرولوجي، والحد من التدهور البيئي طويل الأمد. يعكس هذا تحولاً من «التشجير الرمزي» إلى «إعادة التأهيل البيئي الهيكلي».
البُعد السلوكي: الاستدامة كتحوّل ثقافي غير تنظيمي
تشير الدراسات الحديثة في علم البيئة السلوكي إلى أن فعالية السياسات تعتمد على تحويلها إلى «سلوك اجتماعي مستقر». في السياق السعودي، يحدث هذا التحوّل من: الامتثال التنظيمي إلى الامتثال الثقافي من خلال ترشيد الاستهلاك، وتشجيع إعادة التدوير، ورفع مستوى الوعي البيئي، ودمج الاستدامة في التعليم. يُمثل هذا تحولاً من «السياسة البيئية» إلى «ثقافة بيئية مجتمعية».
البُعد الدولي:
من التكيف مع المعايير إلى صياغتها
يعكس الدور البيئي المتنامي للمملكة تحولاً في موقعها ضمن النظام البيئي العالمي، من: متلقٍ للمعايير إلى مساهم في إنتاجها وصياغتها. ويتجلى ذلك في: المبادرات المناخية الدولية، ومشاريع خفض الانبعاثات، ودعم الاقتصاد الأخضر، والشراكات البيئية العابرة للحدود. ويشير هذا إلى تحول في «أهمية الأثر البيئي» على المستوى الدولي.
التحول كإعادة بناء لمنطق التنمية
يمكن النظر إلى التحول البيئي في المملكة على أنه إعادة بناء لمنطق التنمية نفسه، وليس مجرد تطور للسياسات البيئية.
يعكس النظام الناشئ أربعة تحولات رئيسية:
- من الإدارة المؤسسية إلى الحوكمة النظامية.
- من التدخل التفاعلي إلى التخطيط الاستباقي.
- من التنظيم إلى الإنفاذ القائم على البيانات.
- من الوعي المؤسسي إلى السلوك المجتمعي.
وفي ضوء رؤية المملكة 2030، يتبلور نموذج تنموي يدمج الاستدامة في هيكل صنع القرار، ويعيد تعريف العلاقة بين النمو الاقتصادي وحدود النظام البيئي. وبذلك، تتجه المملكة نحو نموذج «حوكمة مستدامة تحويلية» يعيد تعريف مفهوم التنمية باعتباره توازناً ديناميكياً بين الإنسان والموارد والنظام البيئي.
** **
- كلية علوم الأغذية والزراعة، جامعة الملك سعود