عبدالرحمن الحضري
توقفت في مطار الملك خالد بالرياض كمحطة «ترانزيت» قبل وجهتي الأخيرة إلى جيزان، والمطار ليس مجرد محطة سفر، بل عالم آخر من المتعة والجمال والتسوق.. وقراءة الحكايات المرتسمة على وجوه العابرين؛ فذاك يسرع الخطا تلاحقه عقارب الساعة ليلحق برحلته، وثانٍ تستوقفه رشفة قهوة في محطة «كوفي» وكأنه يحاول سرقة لحظة صمت من وقته الثمين، وثالثٌ ممسك بهاتفه يودع غاليًا بابتسامة يخفي وراءها غصة الرحيل، وآخر غارقٌ في تفاصيل لوحات الإعلانات يبحث فيها بلهفة وشوق عن وجهته.
لفتتني بين الزحام امرأة تجلس بوقارٍ في زاوية نائية، تتأمل جواز سفرها وكأنه كتاب ذكريات، تارةً تبتسم، وتارةً تشيح بنظرها نحو بوابات المغادرة وكأنها تختزل في صمتها كل قصص السفر.
ووسط هذا الزخم البشري الذي يملأ الأرجاء، لمحتُ نسخة من صحيفة محلية ملقاةً على أحد الأرفف. للوهلة الأولى؛ تجمدت نظرتي وكأنني رأيت صديقًا قديمًا غاب عني لزمن، كان شعارها المألوف يلمع تحت أضواء المطار ليعيد صياغة ملامحي، فأحسستُ برعشةِ حنينٍ تجتاحني وأنا أرى «هويتي المهنية» التي صقلتها قبل ما يزيد على عشرين عامًا أمامي على ذلك الرف.
كانت شريطًا من الذكريات يعود بي إلى تلك السنين التي تشرفت فيها بالعمل مراسلاً للصحيفة، استحضرت معها وجوهًا وقاماتٍ تركت بصمتها في ذاكرتي، وفي غمرة هذه الذكريات تأملتُ فلسفة هذا الكيان؛ فالصحيفة في جوهرها مطبخ فكري متكامل المسارات. هناك الخبر؛ يقتنصه المراسل بيقظته ليروي شغف المعرفة، وهناك التحقيق؛ يغوص فيه المحرر بصبره ليجيب على أسئلة الخلفيات الغائبة، وهناك المقال؛ منبر الفكر الذي يشيده الكاتب بحكمته ليوجه بوصلة التحليل، وفي هذا المطبخ تنصهر الجهود لتلبي احتياجات الجمهور على اختلاف مشاربهم، فيجد كل قارئ ما يروي فضوله.
غير أن عجلة الزمن دارت دورتها، فانتُزعت من الصحافة الورقية ميزة السبق التي كانت تُعلي من شأن المراسل، فلم يعد الخبر عصيًا على أحد، بل بات مشاعًا تتسابق على نشره العامة، فتارة تقتله السرعة الجنونية، وتارة يخنقه التكرار، وأحيانًا يُغلفه الابتذال بتفاهة المحتوى. لم يقتصر الأمر على الخبر، بل طال المحرر الاستقصائي الذي خفَتَ بريقه بعد أن باتت مجهوداته تُستنسخ وتُبتر في منصات «الترند»، وحتى الكاتب فقد حصانته الفكرية في زحام الآراء العابرة.
كاريزما الجريدة التي كانت تجعل منها الحاضنة الوحيدة لثالوث النجومية (المراسل، والاستقصائي، والكاتب) لم تعد موجودة، إذ تبعثرت تلك الهيبة بين المنصات، وغاب التفرّد الذي كان يُشار إليه بالبنان.
هنا أرى أن الصحافي القديم الذي لم تلامسه رياح التحديث، ولم يطور أدواته لتواكب هذا الانفجار الرقمي، قد وافته المنية مهنيًا، تمامًا كما تموت الصحف اليوم وحيدةً على الأرفف المهجورة.
وبينما كنت أستعيد ملامح العمر الجميل غارقًا في بحر الذكرى، قرع المذيع الداخلي للمطار ناقوس الواقع، ليذيع بلهجته الرسمية الرتيبة: «الخطوط السعودية تعلن عن موعد إقلاع رحلتها المتجهة إلى جيزان»..
ومع الإعلان يُطوى شراع هذا المقال وفي الخاطر دندنة.. آهِ لو كان النداءُ بمقطوعةٍ من رائعة إبراهيم خفاجي التي شدا بها فنان العرب محمد عبده لتكتمل لذة الرحلة «بدندنة» تسبق الخطى:
كم على جيزان في خضر الروابي.. والسفوح
أنشد السلوان في حلو التصابي.. والسروح
سلطنوا..