د. جمال الراوي
ورد في حديثٍ شريفٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم توجيهٌ لعبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- عند حدوث الفتن، وفيه:
«دع عنك أمور العامّة»، وهو توجيهٌ نبويٌّ عظيمٌ يقع كثيرٌ منّا في مخالفته؛ فما إنْ نجلس في مجلسٍ، أو نلتقي بمجموعةٍ من الناس، حتى يبدأ الحديث عن شؤون الناس والدول والحكومات، فنقدح في تلك الدولة، ونتحدث عن أخرى، ونتناول هذا الرئيس أو ذاك، نكشف العيوب، ونفضح العورات، ونرفع أحدهم ونخفض آخر، ثم تختلف الآراء بيننا، وقد نتخاصم أو نتجادل، ثم نترك المجلس وقد ملأنا صحائفنا بما لا ينفعنا، وربما بما نُحاسَب عليه.
والحديثُ عن أمور العامّة كثيرًا ما يُفسد المجالس، فلا نجد فيها صفاءً للنفوس، بل يملؤها اختلاف الآراء، ويورث القسوة، ويفتح أبواب الغيبة وسوء الظنّ والشماتة، وقد ينتهي إلى خصوماتٍ ومشاحنات.
لا شكّ أن أحوال الدول تخصّ شعوبها، وأنّ لكلّ أمّةٍ قادتها ومسؤوليها الذين يحملون أمانة القرار، ويُسألون عمّا يرونه أصلح لرعاياهم، وليس كلّ ما نسمعه أو نراه يلزمنا أنْ نخوض فيه أو نبدي الرأي حوله.
فبين أيدينا من الواجبات والالتزامات والمسؤوليات ما يكفينا، في بيوتنا وأعمالنا، ونحن محاسبون عليها قبل أن نُسأل عن شؤونٍ لم تُكلَّف بها ألسنتنا، ولم تُؤمر بها قلوبنا.
وللأسف، فإنّ كثرةَ التتبّع من أكثر ما يُفسد قلبَ الإنسان، فيُتعب نفسَه بالاشتغال بما لا يملك له تغييرًا ولا إصلاحًا، حتى صار يعيش قلقَ العالم كلّه، بينما يهمل أقرب الواجبات إليه.وليس المقصود أنْ يعتزل الإنسان هموم أمّته، أو يفقد إحساسه بما يجري حوله، ولكنّ المقصود ألّا يتحوّل الحديث في شؤون الناس إلى شغفٍ دائم، ولا إلى خصوماتٍ وجدالاتٍ تستهلك القلوب والأعمار، دون علمٍ نافعٍ أو عملٍ صالح.
وما أحوجَ المرءَ في زمن الفتن إلى أن يحفظ لسانه، ويُصلح بيته، ويؤدّي أمانته، ويعتني بقلبه، ويُقبل على ما ينفعه؛ فصلاحُ المجتمعات يبدأ من صلاح النفوس، لا من كثرة الجدل والخصومات.
ومن نعمة الله علينا أنْ يرزقنا قلوبًا، تنصرف إلى إصلاح ذواتها، لا تتعلّق بالأخبار، ولا تنشغل بالخصومات، ولا تُفرِط في متابعة الأحداث، وتدع لكلّ شأنٍ أهله، وتلتفت إلى إصلاح أحوالها، والانشغال بما يفيدها ويفيد عوائلها وبيوتها.
فهنيئًا لمن شُغِل بعيبه عن عيوب الناس، وبواجب يومه عن ضجيج الدنيا، وحفظ لسانه حين تكثر الفتن، ونسأل الله السلامة والعافية.