علي محمد أحمد فقيهي
في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها بيئات العمل الحديثة، تبرز ظاهرة نفسية ومهنية لافتة تتمثل في شعور بعض الأفراد بعدم الارتياح عند العمل ضمن فرق تضم كفاءات عالية أو خبرات متقدمة، حيث يتشكل لديهم انطباع غير دقيق بأن وجود من يفوقهم أداءً أو خبرة قد يمثل تهديدًا مباشرًا لمكانتهم المهنية وفرصهم المستقبلية، وهو تصور يستحق التوقف عنده وتحليله بعمق.
هذه القناعة لا تقف عند حدود الشعور الداخلي، بل تمتد آثارها لتؤثر بشكل مباشر على السلوك المهني وجودة الأداء، إذ تدفع بعضهم إلى الانخراط في مقارنات مستمرة تُضعف الثقة بالنفس، وتحدّ من الرغبة في التعاون مع الكفاءات المتميزة، بل وقد تقود إلى تجنب البيئات التنافسية التي تُعد في الأصل بيئات محفزة للنمو، وفي قطاعات حيوية مثل المشتريات والعقود، فإن هذا النمط من التفكير قد ينعكس سلبًا على جودة القرارات، نظرًا لاعتمادها الكبير على تنوع الخبرات وتكامل وجهات النظر، مما يجعل العزلة المهنية أحد أبرز المخاطر غير المرئية.
في المقابل، يبرز اتجاه مهني أكثر نضجًا يقوم على إعادة تعريف وجود الكفاءات العالية باعتباره فرصة استراتيجية لا تهديدًا، حيث يسهم العمل ضمن فرق متميزة في تسريع التعلم، ورفع جودة القرارات، وتوسيع آفاق التفكير، كما يعزز من قدرة الفرد على تطوير أدواته المهنية بشكل مستمر، ومن هذا المنطلق، فإن اختيار بيئة العمل لم يعد خيارًا عابرًا، بل قرارًا استراتيجيًا يؤثر بشكل مباشر على مسار النمو المهني، فالمميزون حولك لا يشكلون خطرًا إلا إذا أُسيء فهم دورهم، أما في السياق الصحيح فهم أحد أهم محفزات التميز والتطور.