فهد المطيويع
ليلة الديربي ليست ككل الليالي، فالتاريخ يتوقف قليلًا، والمدينة تنقسم، والأنفاس تحبس حتى صافرة النهاية. مباراة اليوم لا تقبل أنصاف الحلول؛ فإما انتصار يشعل المدرجات فرح ويمهد الطريق نحو الذهب، وإما خسارة قد تشعل الغضب وتبعثر الأحلام في أكثر مراحل الموسم حساسية. فنيًا، تبدو الكفة أقرب للنصر الذي يدخل المواجهة بجاهزية أعلى واستقرار أكبر، لكن الهلال لا يعترف بهذه الحسابات حين يتعلق الأمر بالكبرياء. فكم من مرة دخل الأزرق تحت الضغط، ليخرج الجميع في النهاية مرددين: «هذا هو الهلال». يحضر الهلال الليلة وهو بطل أغلى الكؤوس، مدجج بتاريخ ثقيل وشخصية اعتادت الحضور في المواعيد الكبرى، بينما يدخل النصر المواجهة وكأنه يخوض معركة الموسم الأخيرة، مدفوعًا بجماهير لا تريد سوى رؤية فريقها على منصة الدوري بعد انتظار طويل.
وفي الديربي تختفي لغة المنطق. هنا لا قيمة للتوقعات، ولا أهمية للأرقام، ولا احترام للفوارق الفنية. تسعون دقيقة قد تسقط نجم، وتصنع بطلًا، وتحول لاعب عادي إلى أسطورة تتناقل الجماهير اسمه لسنوات. نعم، الهلال أكثر في كل شيء، تتويجًا وحضورًا وهيبة وجماهير، وهي حقيقة يعرفها النصراويون قبل غيرهم، لكن ذلك لا يلغي أن هذا اللقاء يبقى مرعبًا للطرفين. فالنصر يخشى أن يعود شبح اللحظة الضائعة ليطارده من جديد، والهلاليون يخافون من أن (يخذل الفريق نفسه) قبل أن يخذله المنافس، خصوصًا مع تذبذب الأداء وغموض أفكار المدرب الذي ما زال يثير الجدل أكثر مما يمنح الطمأنينة.
ديربي الليلة ليس مجرد مباراة، بل اختبار أعصاب، وصراع شخصية، وحكاية مدينة او مدن كاملة ستنام سعيدة أو غاضبة حسب نتيجة تسعين دقيقة فقط. الفوز هنا لا يعني ثلاث نقاط فقط، بل يعني الهيمنة، والثقة، وحق التباهي طويلًا. أما الخسارة، فهي جرح لا يندمل بسهولة، وعاصفة من الانتقادات قد تبتلع كل ما قبلها. لهذا سيبقى ديربي الرياض دائمًا خارج التوقعات.. مباراة تلعب بالعقل أحيانًا، وبالقلب كثيرًا، وبالروح دائمًا. فهل يفعلها الهلال ؟
أم أن النصر سيكتب الفصل الاخير في سباق الدوري؟ الجواب الليلة داخل المستطيل، والله يعين اصحاب القلوب الضعيفة.
وقفة
قدمت إحدى القنوات إهداءً خاصًا لجماهير الهلال عبارة عن أغنية بمناسبة تحقيق كأس الملك، وكانت أغنية جميلة من حيث الكلمات والتنفيذ، وتحمل مشاعر الفرح والانتصار، إلا أن المشكلة لم تكن في الأغنية نفسها، بل في الطريقة التي تم بها تقديمها، وكأن القناة تحولت من ناقل محايد إلى مشجع ساءه فوز الهلال. قمة الإحراج أن تغيب الاحترافية في لحظة يفترض أن يكون فيها الإعلام أكثر اتزاناً، فالإعلام الرياضي الحقيقي يقاس بقدرته على الحفاظ على المهنية مهما كانت الميول.
المؤسف أن بعض القنوات أصبحت تمنح الانطباع بأنها جزء من المدرج لا من المنصة الإعلامية، حتى بات يسيء لسمعة القناة نفسها قبل أي شيء آخر. والله المستعان.