د.عيد بن حجيج الفايدي
يُعدّ جبل أحد واحداً من أبرز المعالم التاريخية المرتبطة بالسيرة النبوية، ومن أشهر جبال الجزيرة العربية. يقع شمال المدينة المنورة، وينهض شامخاً منفرداً، كأنه شاهد ثابت على مراحل السيرة. لا يجاور الجبال، بل يبدو وحيداً بلونه المائل إلى الحمرة، ممتداً من الشرق إلى الغرب في سلسلة مهيبة يبلغ طولها نحو سبعة كيلومترات، وعرضها قرابة ثلاثة كيلومترات. وهذا التفرّد في الشكل والموقع واللون، إلى جانب ما شهده من أحداث عظيمة، جعله من أكثر معالم المدينة حضوراً في الذاكرة الإسلامية، ومقصداً للزائرين والباحثين.
وحضور جبل أُحد لا يقتصر على المكان وحده، بل يتجاوزه إلى الوجدان الإسلامي؛ فقد ارتبط في ذهن المسلم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أُحد جبل يحبنا ونحبه». وهي عبارة قصيرة في ألفاظها، عظيمة في معناها، تكشف منزلة هذا الجبل، وتحوّله من تضاريس صامتة إلى موضع محبة متبادلة بين النبي صلى الله عليه وسلم ومكانٍ من أمكنة المدينة.
وتزداد قيمته حين يُذكر مقروناً بغزوة أحد، تلك المعركة التي وقعت عند سفحه في السنة الثالثة للهجرة، وشهدت واحدة من أكثر لحظات السيرة ألماً وعمقاً في الدروس الإنسانية والعسكرية والتربوية. فقد كانت درساً خالداً في الطاعة والانضباط، وفي أثر مخالفة الأمر مهما بدت المبررات.
ومن المشاهد الخالدة المرتبطة بالجبل ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اثبت أُحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان». وهنا يتحوّل الجبل إلى رمز للصمود والثبات، وإلى شاهد حيّ على مقام الرجال الذين وقفوا عليه، وعلى لحظةٍ بقيت محفورة في الوعي الإسلامي جيلاً بعد جيل.
ويضمّ محيط الجبل مواقع تاريخية مهمّة، مثل جبل الرماة، ومقبرة شهداء أحد، مما يجعله معلماً مركزياً في السيرة النبوية، يستدعي اهتمام كل باحث ومؤرخ، مهما كان تخصصه، لما يحمله من دلالات دينية وتاريخية وإنسانية وعمرانية.
ولم يكن حضور أُحد مقتصراً على أحداث المعركة، بل ورد ذكره في السنة النبوية مقياساً للعظمة والكثرة؛ ففي باب الإنفاق قال صلى الله عليه وسلم: «لو كان لي مثل أُحدٍ ذهباً…»، وفي فضل صلاة الجنازة جاء أن القيراط مثل جبل أُحد. وهكذا يبقى الجبل ذاكرة حيّة تجمع بين الرمز والحقيقة، وبين المعنى الروحي والحضور الجغرافي. والعلاقة غير المادية بين الأنسان والمكان..
ويمتد هذا الارتباط إلى المساجد المحيطة به، التي أصبحت شواهد توثّق الحدث؛ مثل مسجد الدرع، بوابة أحداث الغزوة، ومسجد سيد الشهداء الذي أعيد بناؤه على مساحة واسعة، ومسجد الفسح شمالاً، ومسجد المستراح جنوباً، حيث استراح النبي صلى الله عليه وسلم بعد عودته من الغزوة. وهذه المواضع الأربعة تشكّل معاً سجلاً مفتوحاً لوقائع أُحد، وتمنح المكان بعداً يتجاوز حدود الجغرافيا إلى فضاء الذاكرة الحيّة.
وعلى أرض الواقع اليوم، ومع ازدياد أعداد الزوار، تظل الحاجة قائمة إلى مزيد من التطوير والتكامل في الحركة والخدمات حول هذا النطاق التاريخي، بما يليق بمكانته. فعند الاقتراب من سفح الجبل، يلفت النظر وجود مبانٍ خرسانية تتسلّق السفح وتقترب من المشهد البصري للجبل. ومهما كانت المبررات التخطيطية أو الاستثمارية، يبقى السؤال قائماً:
كيف يُسمح بالبناء عند سفح جبل أُحد؟
وأين حرم الطريق السريع المجاور؟
ولماذا يُختار هذا الموضع تحديداً، رغم امتداد محيط الجبل لمسافات واسعة؟
ويزداد التساؤل حين نتذكر أن هذا الموقع عُرف زمناً بوصفه متنفساً عاماً يحمل اسم “حديقة جبل أُحد”، شأنه شأن حدائق ارتبطت بالذاكرة للمدينة المنورة، مثل حديقة الصافية، وحديقة السقيفة، وحديقة النسيم، وحديقة الخنساء، وغيرها من الحدائق التي شكّلت متنفساً للأهالي والزوار.
ومهما يكن من أمر، فإن البناء عند سفح جبلٍ له هذا العمق في ذاكرة السيرة النبوية ليس مجرد قرار هندسي، بل هو حوار مع التاريخ. فأنت لا تقف أمام صخرٍ صامت، بل أمام شاهد حيّ على سيرة مضيئة، وجبلٍ قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه جبل يحبنا ونحبه». وكأن المكان نفسه ينبض بمودة قديمة، ويحتفظ بأثر من مرّوا به. ولذلك يصبح أي تغيير حاد في المشهد العمراني المحيط به أقرب إلى محاصرة للذاكرة، أو تشويش على العلاقة البصرية والوجدانية بين الإنسان والمكان.
وهذا الإحساس يفرض مسؤولية مضاعفة: أن يُصغى إلى المكان، وأن يُبنى برفق، وكأن الإنسان يستأذن التاريخ قبل أن يضع حجراً فوق حجر. فالجبال التاريخية لا تُقاس بارتفاعها فقط، بل بما تحمله من معنى وذاكرة ورمز. والبناء عندها اختبار للوعي الحضاري: كيف يحفظ الإنسان مكانة المكان دون أن يثقل على ذاكرته أو يزعج سكونه، خصوصاً مع توفر بدائل كثيرة للاستثمار والتنمية.
وبالقرب من السفح، يتواصل العمل في مشروع كبير آخر يُقال إنه ذو طابع تجاري بعمارة عثمانية. وهنا يبرز سؤال جديد:
لماذا تُستعاد العمارة العثمانية عند سفح جبل أُحد؟
ولماذا تُقام على أرض زراعية معروفة، في وقتٍ تقيد فيه التعليمات البناء على الأراضي الزراعية؟
فليس كل اقتباس جمالاً، ولا كل استعادةٍ للتاريخ وفاءً حقيقياً له. وحين تُزرع قباب وأقواس عثمانية في أرض لم تعرف هذا الطراز تاريخياً، يبدو المشهد كأنه استعارة خارج سياقها؛ حكايات لا تنتمي تماماً للمكان. فالأرض ليست فراغاً ينتظر الزينة، بل كائن حيّ يتنفس هوية المكان وتاريخه الطبيعي والعمراني. وحين تُستبدل ملامحه بواجهات مستوردة، فإن الخسارة لا تتوقف عند تغيّر المشهد البصري، بل تمتد إلى احتمالية طمس هوية أصيلة تشكّلت عبر قرون.
ومن المخاطر المصاحبة لذلك أيضاً انتشار أخبار وروايات غير موثقة علمياً أو تاريخياً، مثل الحديث عن اكتشاف “بئر للملك الحميري تُبّع” قرب ساحة غزوة أُحد، في حين أن وادي قناة معروف تاريخياً بكثرة العيون والجريان المائي، لا بكثرة الآبار. ومن هنا تتأكد أهمية التوثيق العلمي، وعدم تحويل الروايات غير المحققة إلى حقائق متداولة قد تربك الوعي التاريخي للمكان.
ولعل من الضروري تبنّي تخطيط استراتيجي شامل يضع منطقة جبل أُحد في مركز الأهمية الوطنية والتاريخية، ويرتكز على محاور مترابطة، من أبرزها:
حماية سفوح الجبل، ومنع أي تغيير جوهري في شكله العام، واعتبارها مناطق ذات حساسية تاريخية وبصرية عالية مع إعادة النظر في أعمدة إنارة الجبل ..بطريقة حديثة شمسية وغير ملفته.
ربط المساجد الأربعة المرتبطة بغزوة أُحد بمسار داخلي لا يتجاوز طوله ألفي متر، يبدأ من مسجد الدرع مروراً بمسجد المستراح وصولاً إلى مسجد الفسح، بما يحوّل المنطقة إلى مسار معرفي تعليمي متكامل.
تطوير المساجد الثلاث الصغيرة عمرانياً وخدمياً، خصوصاً ما يتعلق بمصليات النساء، ودورات المياه، ومواقف السيارات، والخدمات المساندة للزوار.
معالجة الاختناقات المرورية بحلول هندسية تستفيد من امتداد وادي قناة، الذي يصل عرضه في بعض المواضع إلى نحو مائة متر، ليكون طريقا جديدا تنظيمياً يربط شرق المدينة بغربها دون الضغط على الطريق الدائري.
وعندها يمكن أن تتحول المنطقة إلى متنفس ثقافي وصحي وبيئي متوازن، يسهّل الحركة ويحفظ الهوية في آنٍ واحد.إن البناء وشق الطرق في سفح جبل أُحد وحوله ليس مجرد إشكالية عمرانية عابرة، بل هو نموذج للتباين بين الأصالة والحداثة، وبين حماية الذاكرة والاندفاع نحو تطوير غير مدروس، أو استثمار لا يضع معايير التاريخ والبيئة والهوية في مقدمة أولوياته.
والخلاصة أن معالجة التشوّه البصري حول جبل أُحد تحتاج إلى وعي مجتمعي، ورؤية طويلة المدى تضع الموروث الثقافي في صلب التنمية، لا على هامشها. فالحفاظ على جبل أُحد -الشاهد الثابت- ليس حفاظاً على منظر طبيعي فحسب، بل هو حفاظ على وجدان الأمة، وعلى ذاكرة السيرة، وعلى هوية مدينة ارتبطت بتاريخ الإسلام منذ فجره الأول.