وائل العتيبي - جدة:
في تاريخ الصحافة السعودية، هناك أسماء مرّت كموظفين كبار في مؤسسات إعلامية، وأسماء أخرى صنعت أثرًا عابرًا في لحظة زمنية محددة، لكن اسم محمد بن علي بن عبدالقادر حافظ ينتمي إلى فئة مختلفة تمامًا؛ فئة الصحفيين الذين لم يكتفوا بالكتابة داخل الصحافة، بل أعادوا تعريفها، وغيّروا شكلها، ودفعوا بها إلى مساحات لم تكن مألوفة في العالم العربي آنذاك.
برحيله في 17 مايو 2026، لم تفقد الصحافة السعودية رئيس تحرير سابق أو كاتب عمود يومي فحسب، بل ودّعت واحدًا من آخر شهود زمن التأسيس الحقيقي؛ الجيل الذي حمل الصحافة من الورق المحدود والتوزيع المحلي، إلى مشروع إعلامي عربي عابر للحدود، سبق عصره بعقود.
ولد محمد علي حافظ عام 1937، في مرحلة كانت فيها الصحافة السعودية لا تزال تبحث عن ملامحها الأولى، وكان الإعلام العربي بأكمله يعيش تحت سطوة النماذج المصرية واللبنانية. وفي وقتٍ كان كثيرون ينظرون فيه إلى الصحافة باعتبارها مهنة مرتبطة بالأخبار فقط، كان حافظ يراها مشروع نفوذ ثقافي وفكري واقتصادي طويل المدى.
بدأ خطواته الأولى في «مطبعة الرائدين»، وهناك لم يتعلم فقط كيف تُطبع الصحف، بل كيف تُصنع الفكرة منذ لحظة الحبر الأولى حتى وصولها إلى يد القارئ. ثم جاءت القاهرة، المدينة التي كانت آنذاك عاصمة الإعلام العربي بلا منازع، ليخوض تجربته الأكثر تأثيرًا داخل دار «أخبار اليوم»، تحت إشراف الصحفي الكبير مصطفى أمين.
في تلك المرحلة، تشكّل وعيه الحقيقي. رأى كيف يمكن للصحافة أن تُحدث ضجيجًا سياسيًا، وتصنع رأيًا عامًا، وتهزّ حكومات، وتخلق نجومًا، وتبني إمبراطوريات اقتصادية. لم يعد ينظر إلى الصحيفة كمنشور يومي، بل كقوة ناعمة قادرة على إعادة تشكيل المجتمع.
حين عاد إلى المملكة مطلع الستينيات، كانت السعودية تدخل مرحلة تحولات تاريخية كبرى؛ دولة فتية تتوسع مؤسساتها بسرعة، ومجتمع ينتقل تدريجيًا من البساطة المحلية إلى الدولة الحديثة. وفي تلك اللحظة الحساسة، دخل محمد علي حافظ إلى قلب المشهد الإعلامي.
تولى وشقيقه هشام حافظ رئاسة تحرير جريدة «المدينة»، لكن ما فعله الشقيقان لم يكن مجرد تطوير شكلي لصحيفة قائمة، بل محاولة مبكرة لصناعة صحافة سعودية حديثة تمتلك شخصية تحريرية وهوية مؤسسية واضحة.
كانا يدركان أن الصحافة المقبلة لن تنتصر بالمقالات وحدها، بل بالإدارة والطباعة والإعلان والتوزيع والقدرة على بناء مؤسسة مستقرة. وهي رؤية كانت متقدمة على زمنها في بيئة صحفية عربية ظلت لفترة طويلة أسيرة الفردية والارتجال.
لكن اللحظة المفصلية في مسيرته جاءت مع إطلاق «عرب نيوز» عام 1975، أول صحيفة سعودية يومية باللغة الإنجليزية. القرار وقتها بدا جريئًا إلى حد المغامرة؛ لماذا تخاطب السعودية العالم بلغته بينما كانت معظم الصحف العربية بالكاد تصل إلى قارئها المحلي؟
غير أن محمد علي حافظ كان يرى أبعد من اللحظة الراهنة. أدرك مبكرًا أن المملكة مقبلة على دور سياسي واقتصادي عالمي، وأن الإعلام سيكون أحد أدوات هذا الحضور. لذلك لم تكن «عرب نيوز» مجرد صحيفة، بل نافذة سعودية على العالم، ورسالة تقول إن المملكة بدأت تدرك أهمية الصورة الدولية والرواية الإعلامية العابرة للغات.
ثم جاءت «الشرق الأوسط»، المشروع الذي غيّر قواعد اللعبة بالكامل.
حين شارك مع شقيقه هشام حافظ في تأسيس «الشرق الأوسط»، لم يكن العالم العربي قد عرف بعد مفهوم «الصحيفة الدولية» بالمعنى المهني الحديث. كانت الصحف العربية تُطبع داخل حدودها الوطنية، وتصل متأخرة إلى الخارج إن وصلت أصلًا.
لكن «الشرق الأوسط» كسرت هذا الحاجز. صحيفة تُطبع في أكثر من مدينة عالمية، وتصل في اليوم ذاته إلى عواصم عربية ودولية، بخطاب سياسي وثقافي جديد، وبمعايير إنتاج أقرب إلى الصحافة العالمية.
كان ذلك المشروع إعلانًا واضحًا بأن الصحافة السعودية لم تعد صحافة محلية هامشية، بل لاعبًا عربيًا مؤثرًا في صناعة الخبر والرأي.
ولعل ما ميّز محمد علي حافظ عن كثير من أبناء جيله، أنه لم يكن صحفيًا تقليديًا يعيش داخل غرفة التحرير فقط، بل كان يفكر بعقل رجل المؤسسات. لذلك ساهم في تأسيس منظومات كاملة مرتبطة بصناعة الإعلام، من الإعلان إلى التوزيع إلى الأنظمة الإلكترونية، مدركًا أن مستقبل الصحافة لن يُحسم بالمقال وحده، بل بالبنية الاقتصادية والتقنية القادرة على إبقاء المؤسسة حيّة ومؤثرة.
وفي كتاباته، خصوصًا عبر عموده الشهير «صباح الخير»، لم يكن يكتب بلغة النخب المتعالية، بلغة رجل يعرف قارئه جيدًا. كانت مقالاته هادئة، لكنها محمّلة بخبرة طويلة، وتوازن واضح، ونظرة تميل إلى العقلانية أكثر من الإثارة، وهو ما منح حضوره احترامًا واسعًا حتى بين المختلفين معه.
وكان من أكثر ما يميزه إيمانه بأن الصحافة ليست سلطة صراخ، بل سلطة وعي. لذلك ظل يدافع عن المهنية، وعن فكرة الإعلام المسؤول، وعن أهمية أن تكون الصحيفة جزءًا من مشروع الدولة التنموي والثقافي، لا مجرد منصة للمناكفات اليومية.
كثير من الإعلاميين يعتبرون أن محمد علي حافظ مثّل حلقة الوصل بين جيل الرواد التقليديين، والجيل الذي أدخل الصحافة السعودية إلى عصر الشركات الإعلامية الكبرى. بينما يعتبره آخرون واحدًا من أكثر الشخصيات التي فهمت مبكرًا العلاقة المعقدة بين الإعلام والسياسة والاقتصاد والنفوذ الثقافي.
وربما تكمن فرادته الحقيقية في أنه لم يكن نجمًا صاخبًا يبحث عن الأضواء، بل رجل مشروع طويل النفس. كان يعمل بهدوء، لكن أثره ظل يتسع لعقود. وحين تُذكر اليوم أسماء المؤسسات الإعلامية السعودية التي صنعت حضورًا عربيًا ودوليًا، فإن بصمته تبدو حاضرة فيها بصورة أو بأخرى.
برحيل محمد علي حافظ، لا تغيب سيرة صحفي فقط، بل يُطوى فصل كامل من تاريخ الصحافة العربية؛ فصل الذين بنوا المؤسسات قبل أن يبنوا أسماءهم، والذين فهموا باكرًا أن الكلمة وحدها لا تكفي، ما لم تتحول إلى مشروع حضاري قادر على البقاء.
وعقب بيان وزارة الإعلام، تداول عدد كبير من الإعلاميين والكتاب ورواد مواقع التواصل الاجتماعي رسائل نعي وكلمات مؤثرة عن الراحل، مؤكدين أن محمد علي حافظ لم يكن مجرد ناشر أو إداري ناجح، بل صاحب مشروع إعلامي متكامل ساهم في صياغة ملامح الصحافة العربية الحديثة.