لم تعد أزمة الجامعات اليوم في نقص الموارد أو ضعف الإمكانات، بل في تشابه الهويات. فالكثير من مؤسسات التعليم العالي أصبحت تعيد إنتاج النموذج نفسه؛ كليات متشابهة، برامج متكررة، وخطط استراتيجية متقاربة إلى حد يصعب معه تمييز جامعة عن أخرى. وفي عالم تقوده المعرفة والابتكار، لم يعد التشابه ميزة آمنة، بل أصبح أحد أخطر التحديات التي تهدد قدرة الجامعات على البقاء والتأثير.
إن التمايز الجامعي الحقيقي لا يعني أن تمتلك الجامعة شعارًا مختلفًا أو مجموعة برامج إضافية، بل يعني أن تبني الجامعة لنفسها دورًا يصعب استنساخه. فالقيمة الاستراتيجية للجامعات الحديثة لم تعد تُقاس بعدد التخصصات، بل بقدرتها على امتلاك مجال تأثير واضح ومحدد داخل الاقتصاد والمجتمع.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن تطرحه كل جامعة على نفسها لم يعد: «ماذا نُدرّس؟»، بل أصبح: «ما المشكلة التي وُجدنا لحلها؟».
فالجامعات المتقدمة لم تعد تُبنى حول الهياكل الأكاديمية التقليدية، بل حول التحديات الكبرى والفرص المستقبلية. هناك جامعات تُعيد تشكيل علاقتها بالاقتصاد عبر بناء منظومات متكاملة تربط البحث العلمي بالصناعة، وأخرى تُعيد تعريف دورها المجتمعي عبر قيادة ملفات تنموية ترتبط مباشرة بخصوصية البيئة المحلية والجغرافية.
ومن هنا يظهر مفهوم «التمايز التطبيقي» بوصفه المرحلة الأكثر تقدماً في تطور الجامعات؛ وهو النموذج الذي تتحول فيه الجامعة من مؤسسة تعليمية إلى منصة إنتاج معرفي واقتصادي ذات أثر مباشر. ففي هذا النموذج لا يصبح البحث العلمي نشاطًا منفصلاً عن الواقع، بل جزءًا من دورة اقتصادية تبدأ بالمشكلة، ثم المعرفة، ثم الحل، ثم التطبيق، ثم خلق القيمة.
إن الجامعة المتمايزة تطبيقياً لا تفتح برامجها بناءً على ما هو شائع، بل بناءً على ما تحتاجه بيئتها وما يمكن أن تصنع فيه فرقاً حقيقياً. فهي تنطلق من فهم عميق لهويتها الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية، ثم تبني تخصصاتها وشراكاتها ومراكزها البحثية وفق هذا الفهم.
فالجامعة التي تقع في منطقة زراعية مثلاً لا يكفي أن تُدرّس الزراعة، بل يجب أن تتحول إلى مركز لتقنيات الأمن الغذائي والزراعة الذكية وسلاسل الإمداد الزراعي. والجامعة الموجودة في بيئة سياحية لا ينبغي أن تكتفي ببرامج السياحة التقليدية، بل يفترض أن تقود اقتصاد التجربة، وإدارة الوجهات، والسياحة المستدامة، والابتكار الثقافي. وكذلك الجامعات القريبة من المدن الصناعية أو اللوجستية أو البيئات الصحية أو التقنية، حيث تصبح الجغرافيا هنا جزءًا من الهوية الاستراتيجية للجامعة.
والتمايز الحقيقي لا يتحقق عبر التوسع الأفقي في البرامج، بل عبر التركيز العميق في مجال نوعي محدد. فالجامعات المؤثرة لا تحاول أن تكون جيدة في كل شيء، بل استثنائية في شيء محدد. ولهذا فإن أحد أخطاء التعليم العالي يتمثل في اعتقاد بعض الجامعات أن النجاح يعني تقليد النماذج الأخرى. بينما الحقيقة أن الجامعات التي تُحدث أثراً هي الجامعات التي تكتشف ميزتها الخاصة، ثم تعيد بناء منظومتها الأكاديمية والبحثية والاستثمارية حول تلك الميزة.
كما أن التمايز التطبيقي يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الجامعة والقطاع الخاص. فبدلاً من الشراكات الشكلية أو الرعوية، تصبح العلاقة قائمة على تصميم حلول حقيقية للتحديات الاقتصادية والمجتمعية. وهنا تتحول الجامعة إلى شريك في صناعة القرار والإنتاج والابتكار، وليس مجرد جهة مانحة للشهادات.
وفي هذا النموذج أيضاً، يتغير مفهوم «نجاح الجامعة». فلم يعد النجاح مرتبطًا فقط بعدد الخريجين أو التصنيفات الأكاديمية، بل بقدرة الجامعة على خلق أثر ملموس؛ شركات ناشئة، براءات اختراع، حلول تقنية، صناعات جديدة، وظائف نوعية، أو حتى إعادة تشكيل اقتصاد منطقة كاملة.
إن الجامعات التي ستقود المستقبل ليست بالضرورة الأكبر حجمًا، بل الأكثر وضوحًا في هويتها، والأعمق فهمًا لدورها، والأسرع قدرة على تحويل المعرفة إلى تطبيق.
فالجامعة التي لا تمتلك قضية واضحة تعمل عليها، ستجد نفسها مع الوقت مجرد نسخة إضافية داخل مشهد مزدحم بالتكرار. أما الجامعة التي تنجح في بناء بصمتها الخاصة، فستتحول إلى مركز جذب معرفي واقتصادي يصعب منافسته.
وفي ظل التحولات الكبرى التي يشهدها العالم اليوم، يبدو أن مستقبل التعليم العالي لن يكون للجامعات التي تحفظ قواعد اللعبة التقليدية، بل للجامعات التي تمتلك الجرأة الكافية لإعادة كتابة استراتيجياتها من جديد.
** **
د. بندر خلف الحارثي - أستاذ التسويق - كلية إدارة الأعمال - جامعة الطائف