أ.د.صالح معيض الغامدي
للدكتور عبدالله دحلان اهتمامات عديدة بالسيرة الذاتية، يمكن حصرها أو جمعها في بعدين: البعد الإبداعي والبعد الداعمي التشجيعي. فعلى مستوى الإبداع نجد أن دحلان قد ألف ثلاثة كتب متنوعة في جنس السيرة الذاتية أو في الأدب الذاتي عموماً. وكل كتاب من هذه الكتب يعد تجربة مختلفة، بل تجربة جديدة من تجارب كتابة الذات أو الحياة.
ففي كتابه السيرذاتي الأول «مواقف محرجة: ذكريات لطيفة» الذي طبع أول مرة عام 2001م، يسرد الكاتب مجموعة من الأحداث الحياتية التي مرت به وكان هو بطلها أو مصاحباً لأبطالها.
ويعد هذا الكتاب من كتب الأدب الذاتي الساخر، حيث يقوم الكاتب فيه بسرد نوع معين من الاعترافات المتصلة بمواقف وتجارب حياتية محرجة عادة ما يتفاداها كثير من كتَّاب السيرة الذاتية.
ويقع هذا الكتاب في طبعته الثانية (2009) في ثلاثة أقسام: الحياة العامة: 12 موقفاً، والحياة الاجتماعية: 9 مواقف، ومنتديات السياسة والأعمال: 11 موقفاً. والسخرية التي نجدها في هذا الكتاب ربما تكون مرتبطة كثيراً بطبيعة المواقف الساخرة أكثر من كونها مرتبطة باللغة المستعملة في هذا الكتاب.
ويميل أسلوب الكاتب في سرد كثير من هذه المواقف إلى اقتناص المفارقات الساخرة التي يكون ظاهرها الإضحاك وباطنها تقديم الدروس الحياتية العملية للقارئ في مجالات الحياة الثلاثة التي اهتم بها الكتاب. وقد لا نبالغ إذا عددنا هذا الكتاب سيرة ذاتية موجزة لنوع واحد من الأحداث التي تقوم على المفارقة الساخرة. وكنت قد كتبت ورقة حول آليات السخرية الذاتية في هذا الكتاب في الندوة التي أقامتها الدكتورة أمل التميمي في الملتقى الإعلامي بكلية الآداب بجامعة الملك سعود، بالتعاون مع كرسي الأدب السعودي عام 2019م، وكانت بعنوان «السخرية في الإعلام والأدب».
وأجمل ما في هذا الكتاب، كما يقول مقدم الطبعة الأولى منه الأستاذ عبدالله مناع -رحمه الله- «هي واقعيته وإنسانية تجاربه التي كثيراً ما يقع الكتَّاب في أمثالها، ولكنهم يتبرؤون منها «كتابة» ويستمتعون بها «رواية» في المجالس»، ويصفه بأنه كتاب حميمي يضع أمام العقول والقلوب تجربة، وعلى الشفاه أكثر من ابتسامة، منتمياً بطرف خفي إلى أدب الظرف والظرفاء.
أما في كتابه السيرذاتي الثاني «أيام.. لا ككل الأيام: سيرة ذاتية» فيسرد الكاتب فيه سيرته الذاتية الحياتية مطولة نسبياً، في أربعة أبواب هي:
1- أيام في مكة المكرمة وحياتها، وحاراتها، وهو أطول الفصول (25-102 صفحة) ويغطي مرحلة الطفولة والشباب والرجولة إلى مرحلة الحصول على درجة الدكتوراه من أمريكا والعودة إلى المملكة للعمل أستاذاً بجامعة الملك عبدالعزيز، مع التركيز على الأبعاد العلائقية في سيرته مع الأسرة والمجتمع المكي وغيره من المجتمعات التي سكنها أو أقام فيها وكانت مسرحاً لأحداث حياته.
2- أيام (غرفة جدة التجارية) وسنواتها البيضاء، وتحكي تجربته الحياتية في الغرفة التجارية بجدة.
3- أيام مجلس الشورى.
4- الطريق إلى إنشاء كلية إدارة الأعمال الـ ( CBS)فـ (جامعة الأعمال والتكنولوجيا).
ومما يلفت الانتباه في هذه السيرة عنوانها، فقد استعمل المؤلف كلمة «الأيام» بما تحمله من دلالات ثرية تصف المسيرة الحياتية التي لم تكن مفروشة بالورود كما يقال، بل بالمعاناة والكفاح والطموح والإصرار والتحدي وتجاوز العقبات، بل وحتى الإخفاقات، للحفاظ دائماً على الفوز والنجاح وهو ما تحقق في النهاية. واستعارة مصطلح «الأيام» من سياق أيام العرب في الجاهلية، وسياق الآية القرآنية {وتلك الأيام ندوالها بين الناس} استعارة دالة وجميلة، وقد سبق لطه حسين أن استعارها لترسيخ هذه الدلالات في سيرته الذاتية المشهورة «الأيام».
أما الكتاب السيرذاتي الثالث فهو كتاب «حب في خمسين عاماً» (1422، 2021)، وهو كتاب جميل في الأدب الذاتي يحكي فيه مؤلفه د. عبدالله دحلان قصة حب مدهش ربطه بزوجته الكريمة السيدة سحر موصلي، واستمر متقداً خمسين عاماً. ويتضمن أيضاً تعريفاً بالأبناء والأحفاد ونصائح لهم كونهم سبباً رئيساً في كتابة هذا الكتاب. ويتضمن كذلك رسالة/قراءة ثاقبة للكتاب كتبها د. عبدالله بن برجس، كما يتضمن شهادة جميلة كتبها د. مهند ابن المؤلف حول قصة حب والديه، ويختم المؤلف كتابه هذا بقصيدة سيرذاتية جميلة نظمها المؤلف وأهداها إلى زوجته. والكتاب حقيقة يروي سيرة حب جديرة بأن يقرأها المتزوجون وغير المتزوجين على حد سواء.
وأزعم أن دحلان من الكتَّاب العرب القلائل جداً الذين تحدثوا في سيرهم وكتاباتهم الذاتية عن موضوع الحب والزواج والأسرة بمثل هذه الحميمية والجرأة والاعتزاز.
أما على مستوى الدعم والتشجيع للسيرة الذاتية، فقد بذل الدكتور دحلان جهوداً مميزة في دعم هذا الجنس الأدبي الذاتي الفتي في الأدب السعودي، ويأتي دعمه للسيرة الذاتية ضمن جهوده الكريمة التي يقدمها للثقافة والأدب والفكر ومؤسساتها في بلادنا عموماً، وهي جهود لا تخفى على الجميع. أما فيما يتعلق بالسيرة الذاتية تحديداً فقد أبدى الدكتور دحلان ترحيباً بفكرة إنشاء جمعية» جماعة السيرة الذاتية الحياتية» في المملكة العربية السعودية كونها -حسب علمنا- أول جمعية من نوعها في العالم العربي، وأبدى رغبته وترحيبه بالمشاركة في جمعيتها التأسيسية منذ أن تواصلنا معه وأبلغناه بفكرة إنشائها. وكان وما زال وسيظل إن شاء الله عضواً فاعلاً فيها يسهم في تطويرها ونمائها بأفكاره البناءة التي تدعمها تجاربه الإبداعية فيها، التي عرجت عليها قبل قليل، وكذلك تجاربه الاقتصادية والاستثمارية المعروفة لنا جميعاً. كما لا بد لي أن أشير وأشيد بالدعم المادي الذي تلقته الجمعية منه أكثر من مرة لتسيير أعمالها في هذه الفترة الصعبة نسبياً من نشأتها، فقد غمرنا في الجمعية بكرمه وفضله ويسَّر لنا بعض أمورنا للمضي قدماً بفضل هذا الدعم المادي السخي، وبفضل آرائه السديدة وأفكاره النيِّرة التي يطرحها في اجتماعات الجمعية وفي المناسبات الأخرى حول تطوير الجمعية والارتقاء بها وبأعمالها.