الرياض - خاص بـ«الجزيرة»:
أكد الأستاذ وليد بن خالد الغامدي المحامي المهتم بالقطاع غير الربحي أن الاستدامة المالية للجهات غير الربحية تشكل أكبر تحدٍ في استمرار نفعها، فاعتمادها على التبرعات يجعلها في مخاطرة من حيث إنها موسمية، وتختلف باختلاف الظروف الاقتصادية، ومن هنا أتى الوقف باعتباره أداة تمويلية للعمل الخيري فيه طابع الاستمرارية، مشيراً إلى
الفرق الكبير بين الوقف والتبرع، فالوقف الأصل أنه لا يجمع تبرعات مثل الجمعيات الأهلية إلا بشروط معينة، فهو عبارة مؤسسة مالية تملك أصولاً متنوعة تُدر دخلاً مستمراً لصالح الفئات التي ينص عليها الواقف، وتكون الأصول إما عينية كعقارات، أبراج، فنادق، ونحوها، أو أصول نقدية مثل: أسهم، محافظ، صناديق ونحوها، فالوقف ليس تبرعاً مثله مثل غيره يُستهلك وينتهي أثره، بل هو تبرع بأصل مُستدام له ريع، يُستثمر لينمو ويربح ويستمر في العطاء للأجيال القادمة.
وقال الأستاذ وليد الغامدي في حديثه لـ«الجزيرة»: إذا أردنا تحقيق أثر مستمر ودائم للعمل الخيري في المجتمع، فينبغي علينا التعامل مع العمل غير الربحي بعقلية المستثمر لا بعاطفة المتبرع؛ فالمستثمر لا يكتفي بمجرد إنفاق المال في أوجه الخير، بل يسأل دائماً كيف أُنمي هذا الأصل؟ كيف أُعظم النفع من هذا الأصل؟ كيف أضمن استدامة الأصل لعقود من الزمن؟ فيختار أفضل الصيغ، ويختار أفضل المختصين لإدارة الكيان، يفعل هذا وأكثر لأنه يعامل المشروع بعقلية المستثمر الذي يريد تحقيق أقصى ربح ونفع، فالمستثمر لا ينفق أمواله بلا خطة ولا بدون وجود دراسة جدوى مفصلة فهو يدرك أهمية الريال الواحد في المشروع، مبيناً أن أفضل الأوقاف والمنظمات والشركات غير الربحية في العالم هي تلك التي تُدار بعقلية استثمارية تجارية مما يجعلها كيانات عملاقة مثل: جامعة هارفرد وساعات رولكس وغيرها، فهي كيانات غير ربحية تُحقق أعلى العوائد؛ لأنها تعمل بعقلية المستثمر؛ فالتفكير الاستثماري في الأوقاف يُنتج لنا أصولاً مستدامة بفكر تجاري تضمن بقاء الأصل واستمراره.
وشدد الغامدي المحامي المهتم بالقطاع غير الربحي إلى أنه حينما يُدار العمل الخيري بعقلية استثمارية احترافية تزداد ثقة المجتمع ويتشجع أصحاب الأموال لتأسيس أوقاف أو جمعيات متميزة، مما يضمن بعون الله استدامتها لتؤدي دورها التنموي في المجتمع، ولن يتحقق ذلك إلا بدخول الأوقاف والجمعيات الأهلية السوق التجاري والمنافسة فيه بفكر استثماري احترافي، ونظام الشركات الأخير أتاح للأوقاف والجمعيات تأسيس شركات غير ربحية تعمل في السوق وفق الأعراف التجارية وتعود أرباحها للوقف أو للجمعيات حسب عقد تأسيسها، ولها عدة مزايا منها أن الشركة غير الربحية تُعامل على أنها شركة تجارية تمارس أعمالها في السوق وفق العرف التجاري، ولها أن تربح غير أن أرباحها لا تقسم على الشركاء، بل تذهب للمصارف العامة التي نص عليها عقد التأسيس، كما أنها معفية من الزكاة والضرائب مما يجعل لها ميزة تنافسية.
وعد الأستاذ وليد الغامدي اعتراف المنظم السعودي بالشركة غير الربحية مؤخراً لهو فتح عظيم على القطاع غير الربحي، وفرصة حقيقية أن يدخل القطاع غير الربحي إلى السوق التجاري وينافس ليحقق أرباحاً تعود للمجتمع، فيمكن نظاماً أن تؤسس شركة غير ربحية من عدة أوقاف، أو جمعيات، أو أفراد، أو خليط بين وقف وجمعية وفرد، وتوجه الأرباح للقطاع غير الربحي، فمثلاً يمكن أن تُؤسس شركة غير ربحية صحية وملاكها من الأوقاف الصحية أو الجمعيات الصحية بمنطقة الرياض، وتدخل السوق الطبي وتنافس الشركات الربحية، فلابد أن تُنوع الجهات الخيرية من طرق الاستثمار لنضمن الاستدامة المالية للعمل الخيري، ومن الطرق بناء كيان تجاري عبر الشركة غير الربحية، مؤكداً أن مستقبل العمل الخيري يكمن في الاستثمار لا الاستهلاك والتحول من الرعوية إلى التمكين، ومن بركات رؤية المملكة 2030 وجود عدة ممكنات للقطاع غير الربحي، منها الشركات غير الربحية، فتُعامل كأداة إستراتيجية لتعزيز الاستدامة المالية للعمل الاجتماعي، ولا يتحقق ذلك إلا بإدارتها بفكر تجاري استثماري احترافي، والشركة غير الربحية قادرة على أداء ذلك بكل جدارة، وهنا دعوة للمختصين وصناع القرار بنشر ثقافة الشركات غير الربحية في القطاع غير الربحي.