الرياض - خاص بـ«الجزيرة»:
في الوقت الذي يدعو فيه ديننا الإسلامي إلى الرفق والحلم والأناة، وعدم العجلة، يحذر الإسلام بشدة من الغضب لما يترتب عليه من مفاسد عظمى، واعتبره النبي صلى الله عليه وسلم علامة ضعف لا قوة، داعياً إلى كظمه والتحلي بالحلم. والغضب يؤدي إلى تدمير العلاقات، تمزيق الأسر، وارتكاب أفعال مهلكة كـالسب والضرب، وربما التلفظ بألفاظ الكفر، مما يجعله مدخلاً للشيطان لتمزيق المجتمع.
«الجزيرة» رصدت رؤى اثنين من المختصين في العلوم الشرعية والطبية ليتحدثا حول الغضب كل وفق تخصصه العلمي.
وصايا نبوية
يقول الدكتور علي بن يحيى الحدادي أستاذ العقيدة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية: من الوصايا النبوية العظيمة وصيته عليه السلام بعدم الغضب، فقد جاء إليه رجل فقال: أوصني فقال: لا تغضب فردد مراراً، فقال: لا تغضب. رواه البخاري.
وذلك أن الغضب إذا اشتد أغلق العقل ومنع الإنسان من التحكم في إرادته وفي كلامه وفي تصرفاته فيقدم على أفعال وأقوال قبيحة سيئة من السب واللعن والضرب والقتل والإتلاف وغير ذلك مما يندم عليه غالباً بعد انطفاء الغضب وذهاب سلطانه، مشدداً على أن الغضب من جمرة في جوف ابن آدم، لذا تحمّر العينان وتنتفخ الأوداج كما في حديث أبي سعيد عند الترمذي.
والغضب من نزغات الشيطان والشيطان لا يأمر إلا بالسوء والفحشاء والظلم والعدوان، كما قال تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ، إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}.
قهر الغضب
وأوضح د. علي الحدادي أنه ليس معنى النهي عن الغضب ألا يغضب الإنسان أصلاً، فالغضب يهجم على الإنسان بغير إرادة منه ولكن المقصود أن يقهر غضبه وأن يملك نفسه فلا يجعل للغضب سلطاناً عليه كما قال صلى الله عليه وسلم: (ليس الشديد بالصُرَعَة - أي الذي يصرع الناس- إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) متفق عليه من حديث أبي هريرة.
ومما يعين المسلم على تجاوز مخاطر الغضب أن يستعيذ بالله من الشيطان كما في الحديث الصحيح عن سليمان بن صُرَد، قال: كنت جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم ورجلان يستبان، فأحدهما احمّر وجهه، وانتفخت أوداجه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان، ذهب عنه ما يجد» فقالوا له: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تعوذ بالله من الشيطان، فقال: وهل بي جنون» متفق عليه واللفظ للبخاري.
وأن يلزم الصمت فلا يتكلم أثناء غضبه حتى تهدأ نفسه لقوله صلى الله عليه وسلم: (وإذا غضب أحدكم فليسكت) رواه أحمد عن ابن عباس وله شاهد عن أبي هريرة.
وأن يغير الحال التي هو عليها لحديث أبي ذر رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: «إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع» رواه أحمد وأبو داود.
واستحب بعض أهل العلم أن يتوضأ فإن الماء يخفف الغضب ويذهبه وفيه أحاديث لكن في أسانيدها ضعف.
مشكلات صحية
ويقدم الدكتور عروة بن محمد حاميش أخصائي الأمراض الباطنية والطوارئ بالرياض بعض المشكلات الصحية الناجمة عن الغضب، ومنها: تأثير الغضب على القلب والأوعية الدموية، وزيادة ضغط الدم: حيث يؤدي إلى إفراز الأدرينالين والنورأدرينالين، مما يرفع ضغط الدم بشكل حاد، مع تسارع ضربات القلب: فيبدأ في الخفقان بشكل أسرع، مما يزيد من الجهد عليه، وزيادة خطر النوبات القلبية: فالغضب المتكرر أو الشديد يرتبط بزيادة احتمال حدوث جلطة في عضلة القلب أو الذبحة الصدرية، وكذلك ارتفاع خطر السكتة الدماغية نتيجة تأثر الأوعية الدموية الدماغية، مع تأثير الغضب على الجهاز العصبي، وزيادة التوتر العضلي، وحدوث تقلبات مزاجية، وكذا نوبات قلق أو نوبات هلع في بعض الحالات، وكذلك ضعف التركيز والذاكرة المؤقتة، كما أن تأثير الغضب على الجهاز الهضمي، حيث تزداد حموضة المعدة مما يؤدي إلى حرقة المعدة أو تفاقم قرحة المعدة، وعسر الهضم بسبب تغير تدفق الدم إلى المعدة، وربما الإسهال أو الإمساك نتيجة التأثير على حركة الأمعاء.
متلازمة القولون
ويضيف د.عروة حاميش أخصائي الباطنية بالرياض إلى أنه يمكن أن يؤدي الغضب المزمن إلى متلازمة القولون العصبي، كما يؤثر الغضب على النوم، حيث يكون صعوبة في النوم أو الأرق، مع أحلام مزعجة أو كوابيس، وتقطُع النوم بسبب القلق الناتج عن الغضب، مشيراً
إلى أن للغضب تأثيرا على الصحة النفسية، وزيادة القلق والاكتئاب، ويضعف العلاقات الاجتماعية، حيث الإحساس الدائم بعدم الراحة أو التعب بعد نوبات الغضب، مبيناً طرق للحد من تأثير الغضب، ومنها: ممارسة تمارين التنفس العميق أو التأمل، والرياضة بانتظام (خصوصاً المشي أو الجري)، وتحديد المثيرات ومحاولة تجنبها.