جانبي فروقة
خلال زيارة الرئيس الأمريكي للصين لاحظنا اتباع الرئيس الصيني شي جينغ بينغ دبلوماسية الأشجار وهو أسلوب صيني قديم يقوم على استخدام الطبيعة كرسالة سياسية ناعمة حيث حرص على اصطحاب الرئيس الأمريكي ترامب خلال زيارته الأخيرة في جولة في حديقة مجمّع تشونغنانهاي ووقف الرئيس شي جين بينغ ودونالد ترامب أمام شجرة «غينكو» مغروسةٍ حديثًا وهي صورةٌ بدت بروتوكولية لكنّ كلّ تفصيلٍ فيها مدروس فشجرةُ الغينكو رمزٌ للصبر والديمومة في الثقافة الصينية، وتعيش ألف سنة وجذورُها عميقةٌ لا يقتلعها ريحٌ ولا حربٌ تجارية، وكأن بكين تقول لضيفها الأمريكي إن العلاقات بين القوتين لا يمكن إدارتها بعقلية الصفقات السريعة وحدها بل تحتاج إلى رؤية تاريخية بعيدة المدى، وينبغي أن تقاس بقرون وليس بدورات انتخابية.
ثمّ حين انتقل الرجلان إلى قاعة الشعب الكبرى طرح الرئيس الصيني شي سؤالًا اعتبره المراقبون اللحظةَ الأهمّ في القمّة وهو «هل تستطيع الصين وأمريكا تجنُّبَ فخّ ثوسيديديس وخلقَ نموذجٍ جديد لعلاقات الدول الكبرى؟» وفخ ثوسيديديس هو فخ قديم يرجع عمره إلى خمسةٍ وعشرين قرنًا فقد كَتب المؤرّخ الإغريقي ثوسيديديس عن الحرب البيلوبونيسية بين أثينا وإسبرطة وخَلَص إلى عبارةٍ تَخلَّدت وهي أن «صعودُ أثينا والخوفُ الذي زرعته في إسبرطة هو ما جعل الحربَ حتمية»، وفي العصر الحديث أعاد البروفيسور غراهام أليسون من جامعة هارفارد إحياءَ المفهوم في كتابه «محكومون بالحرب» فدرس ستّ عشرة حالةً صعدت فيها قوّةٌ ناشئة في وجه قوّةٍ مُهيمنة ووجد اثنتي عشرة منها انتهت بحرب وفقط أربعٌ نَجَت، وطبعا أن يَستعير الرئيس الصيني شي من ثوسيديديس أمام ترامب مباشرةً ليس صدفةً أكاديمية بل هي دعوةٌ بمنطق ثقافي إلى الاعتراف بأنّ النموذج القديم انتهى وأن الصينُ لم تَعُد تطلب الإذن؛ فنبرة الصين لم تعد نبرة 2017 حين كانت بكين تَخشى ضغطًا أمريكيًّا طفيفًا فقد بلغ التبادلُ التجاري بين البلدَين 415 مليار دولار في 2025 والولاياتُ المتحدة هي أكبرُ شريكٍ تجاري للصين، وبلغت الصادراتُ الأمريكية وحدها 104 مليارات دولار ولا نسس أن 70 % من المعادن النادرة التي تَستوردها الولاياتُ المتحدة تأتي من الصين وهي العصبُ الذي تَنبض به الطائراتُ المقاتلة والسيّاراتُ الكهربائية ورقائقُ الذكاء الاصطناعي.
وقد وصف الاقتصادي آدم بوزن، رئيس معهد بيترسون للاقتصاد الدولي الحالةَ بأنّها «تَشابُكٌ من التبعيات المتقابلة، لا يَملك أيُّ طرفٍ منهما ترفَ التراجع منه دون أن يُؤذي اقتصادَه « ومع الدَّين الأمريكي الذي بلغ 39 تريليون دولار بحلول أبريل 2026 الذي يشكل أكثرَ من 120 % من الناتج المحلّي تَفقد واشنطن مرونةً كانت تَتمتّع بها في عهودٍ سابقة (حيث أن مكتبُ الموازنة في الكونغرس يتوقّع عجزًا قارب التريليونَين لعام 2026 وحده) وما يَجعل اللحظة فريدةً ليس ثوسيديديس وحده بل أن هناك معضلةٌ ثانية صاغها الأكاديمي البريطاني ديفيد كولينغريدج عام 1980 تُلاحق صُنّاع القرار في واشنطن وبكين معًا، وملخّصُها أنّ التكنولوجيا في بداياتها يَسهل توجيهُها لكنّ أحدًا لا يَعرف عواقبَها، وحين تَتكشّف العواقب تكون التكنولوجيا قد تَجذَّرت في النسيج الاقتصادي والاجتماعي بحيث يَستحيل تغييرُها وتَنطبق معضلةُ كولينغريدج حرفيًّا على رقائق الذكاء الاصطناعي فقد أرادت واشنطن تَقييدَ وصول الصين إلى رقائق H200 من إنفيديا لكنّ سلاسل الإمداد العالمية أصبحت متشابكةً بحيث أنّ وزارة التجارة الأمريكية اضطرّت خلال القمّة ذاتها إلى السماح لعشر شركاتٍ صينيةٍ كبرى منها علي بابا وتنسنت بشراء تلك الرقائق وهو اعترافٌ ضمنيٌّ بأنّ الجِنّيَّ قد خَرج من القمقم وعلى نفس الصعيد تَطرح معضلةُ كيندلبيرغر التي صاغها الاقتصادي تشارلز كيندلبيرغر السؤال المعاكس لثوسيديديس وهو «ماذا يَحدث حين ترفض القوّةُ الصاعدة تَحمُّلَ مسؤولياتها في استقرار النظام الدولي؟ فحين رَفضت أمريكا الثلاثينيات ملءَ الفراغ الذي تَركته بريطانيا المُتراجِعة انزلق العالم إلى الكساد العظيم ثمّ إلى الحرب العالمية وأَكّد الرئيس شي لترامب أنّ بكين لن تُسلِّح طهران ولكنّه أَضاف «نريد أن نَستمرّ في شراء النفط الإيراني» وهو التزامٌ مشروط لا التزامٌ كامل. كان وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر قد حذّر قبل وفاته من أن «الصراع بين أمريكا والصين قد يكون أخطر من الحرب الباردة» لأن التشابك الاقتصادي بينهما أكبر بكثير من التشابك الذي كان قائمًا بين واشنطن وموسكو أما المستثمر الأمريكي راي داليو فيرى أن العالم يدخل مرحلة «إعادة تشكيل للنظام العالمي» تشبه التحولات التي سبقت الحروب الكبرى تاريخيًا ومع ذلك، فإن الصورة ليست سوداء بالكامل فالولايات المتحدة ما تزال تمتلك أكبر اقصاد في العالم وهيمنة الدولار وكذلك أقوى منظومة جامعية وابتكارية وأمريكا تملك ريادة واضحة في الذكاء الاصطناعي وأسواق المال لكن الصين من جهتها تمتلك تفوقًا صناعيًا هائلًا وسيطرة واسعة على سلاسل الإمداد وتقدمًا سريعًا في السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية والبطاريات والتصنيع الذكي بمعنى آخر «واشنطن تقود عالم الابتكار بينما تقود بكين عالم الإنتاج». انتهت قمّةُ بكين بين ترامب وشي بنبرةٍ ودّية دون اختراقاتٍ كبرى وأَعلن الرئيس الصيني شي أنّ البلدَين اتّفقا على «علاقةٍ بنّاءةٍ ذات استقرارٍ استراتيجي « وقال ترامب إنّ «كثيرًا من المشكلات حُلَّت» حيث اتّفقا على إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا ودَعا ترامب شي إلى البيت الأبيض في سبتمبر القادم لكنّ شبحَ تايوان يَحوم فوق كلّ شيء فقد حَذّر الرئيس شي بصراحةٍ نادرة أنّ «استقلال تايوان والسلام عَبر المضيق لا يَجتمعان كالنار والماء وأنّ سوءَ إدارة الملفّ سيَضع العلاقة بأكملها في خطرٍ جسيم.»
وكما لاحظت بوني غلاسر الباحثة في صندوق مارشال الألماني قائلة «أن القمّة لم تُذِب الجليد. لكنّها في أحسن الأحوال مَنعت تشكُّلَ جليدٍ جديد» إن التاريخ لا يَفرض الحرب كما ذَكَّرنا ثوسيديديس لكنّه يَفرض الانتباه فأربعٌ من ستّ عشرة حالةً نَجَت بفضل قياداتٍ امتلكت الحكمةَ الكافية لإدارة التنافس دون أن يَنزلق للحرب والمفارقة اليوم ليست في التنافس الحتمي بين واشنطن وبكين بل السؤال الكبير هل تَملك القياداتُ الحاليّة في وقتٍ يتصاعد فيه الدَّينُ الأمريكي وتَضعف فيه ثقةُ المستهلك الصيني ويَتداخل فيه التَّوازنُ مع روسيا، الحكمةَ الكافية لتَفادي أية صدامات وحروب؟ فشجرةُ الغينكو في تشونغنانهاي ستَعيش ألفَ سنة ولكن السؤال هل تعيش العلاقة التي زُرعت تحتها ألف يوم؟
بعد عدة أيام فقط من زيارة ترامب جاء الرئيس بوتين لزيارة بكين ويبدو أن الصين تستعمل الآن «الدبلوماسية المثلثة» وتعني أن قوةً كبرى تُوازن علاقتها بين قوتين متنافستين لتحقيق مصلحتها وتعزيز نفوذها ففي السبعينيات استخدمت أمريكا بقيادة نيكسون وكيسنجر هذه الاستراتيجية عبر التقارب مع الصين لعزل الاتحاد السوفيتي وإضعافه أما اليوم، فالصين تعكس المعادلة وهي تستقبل واشنطن وموسكو معًا وتحافظ على قنوات قوية مع الطرفين دون الانحياز الكامل لأي منهما حيث أن الرسالة التي تريد بكين إيصالها واضحة وهي الصين ليست تابعًا لأي معسكر، بل مركز توازن عالمي بحد ذاته، وبمعنى آخر بدل أن تُدار من لعبة القوى الكبرى أصبحت هي من تُدير اللعبة.
** **
- كاتب أمريكي