د. جمال الراوي
فلتات اللسان أو زلّات اللسان، المقصود بها -لغويًّا- هفوة لفظيّة ينطق فيها الإنسان بكلماتٍ غير ما كان ينويه، وقد جاء في الأثر: «ما أسرَّ عبدٌ سريرةً إلّا أظهرها الله على قسمات وجهه أو فلتات لسانه». أمّا في علم النفس فتُعرف بما يسمّى «زلّة فرويد»، على أنّها ليست مجرّد هفوة عابرة، بل تعبير عن رغباتٍ أو أفكارٍ مكبوتة يحاول العقل الباطن إخفاءها، ثمّ يأتي ظرفٌ أو انفعال فتخرج تلك الأفكار على شكل كلماتٍ في لحظات فقدان التركيز، أو أثناء المشادّات والتحريض والغضب.
وقد كان يُستعمل -سابقًا- في التخدير دواء يُعرف باسم Ketalar، في بعض الجراحات البسيطة، حيث يفقد المريض الإحساس بالألم مع بقاء شيءٍ من نشاط العقل الباطن؛ فتخرج منه أحيانًا كلماتٌ مخزّنة في داخله، فقد يسبّ أو يشتم أو يقول كلامًا جارحًا لا يقوله في حال وعيه الكامل. ومع تطوّر أساليب التخدير قلّ استعماله في بعض السياقات بسبب ما قد يرافقه عند بعض المرضى من اضطرابات كلاميّة أو سلوكيّة تسبّب الإحراج.
ولا شكّ بأنّ قسمات وجوهنا تتبدّل عند سماع اسمٍ معيّن، أو ذكر حادثة تخصّنا أو ترتبط بنا، فنحاول إخفاء ارتكاسنا لما نسمعه، لكنّ الكلمات -في كثيرٍ من الأحيان- تتفلّت من أفواهنا، لتكشف أنّ هناك همًّا دفينًا أو عقدةً داخليّة ترافقنا منذ زمن. فكأنّ اللسان يفلت من عقاله للحظات، وينطق بما كنّا نخشى قوله بسبب موانع أخلاقيّة أو اجتماعيّة.
وهذا هو الحال في الخصومات والمشاحنات؛ إذ تجد بعض المتخاصمين ينطقون بكلماتٍ مليئة بالسباب والشتائم، قد تمسّ العِرضَ والنسبَ والأصلَ، فيلجأ كلّ واحدٍ منهم إلى مخزونه اللفظي، ويدفعه إلى لسانه دون اكتراثٍ بالأثر النفسي الذي قد يتركه كلامه في الطرف الآخر، بل إنّه يقصد أحيانًا أن تكون كلماته جارحةً وعميقة الأذى.
واللسان عضوٌ صغير يختبئ داخل تجويف الفم، لكنّه من أخطر أعضاء الإنسان أثرًا. له أدوارٌ متعدّدة في البلع والتذوّق، أمّا وظيفته الأساسيّة فهي الكلام. تحرّكه ثماني عضلات دقيقة، ترفعه إلى سقف الحلق أو تخفضه، ليندفع الهواء الخارج من الحنجرة على هيئة كلماتٍ مسموعة، ولولاه لتحوّل الكلام إلى أصواتٍ مبهمة وحشرجات غير مفهومة.
وقد ورد في الحديث الشريف أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم أخذ بلسانه وهو يخاطب الصحابي الجليل معاذ بن جبل -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ- وقال له: «كُفَّ عليكَ هذا»، فقُلتُ: يا نبيَّ اللَّهِ، وإنَّا لمؤاخَذونَ بما نتَكَلَّمُ بِهِ؟ فقالَ: «ثَكِلَتكَ أمُّكَ يا معاذُ، وَهَل يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وجوهِهِم أو على مَناخرِهِم إلَّا حَصائدُ ألسنتِهِم».
ولهذا السبب توجد معاهد متخصّصة لتدريب المسؤولين والسياسيين على اختيار الكلمات المناسبة عند الردّ على أسئلة الصحافيين، وكيفيّة استعمال العبارات الدبلوماسيّة التي لا تُفهم على أكثر من وجه. ومع ذلك، قد تتفلّت الكلمات منهم في لحظة غضبٍ أو ارتباك، فتفضح نواياهم أو تكشف أفكارًا كانوا يحاولون إخفاءها.
ولذلك يفضّل كثيرٌ من السياسيين الحصول على الأسئلة مكتوبةً قبل اللقاءات بأيّام، حتى يُعِدّوا الردود المناسبة بعناية، لأنّ اللقاءات المباشرة على الهواء قد تربكهم، فلا يجدون الوقت الكافي لاختيار الكلمات، فيقولون كلامًا يترك أثرًا سيئًا، ثمّ يعجزون بعد ذلك عن التخلّص من عواقبه.
ومع ذلك، فليس كلّ ما يقوله الإنسان في لحظة انفعال يمثّل حقيقته الكاملة؛ فقد يدفعنا الغضب إلى كلماتٍ لا نؤمن بها تمامًا، أو إلى مبالغاتٍ نريد بها الإيذاء لا التعبير عن القناعة. لذلك تبقى فلتات اللسان نافذةً محتملة على الداخل الإنساني، لكنّها ليست -دائمًا- حكمًا نهائيًّا على حقيقة الإنسان، فالنفس البشريّة أعقد من أن تختصرها كلمةٌ عابرة خرجت في لحظة اضطراب، ولعلَّ التلفّظَ بكلماتِ الطلاقِ من أكثرِ آفاتِ اللسانِ أذًى، كثيرًا ما يندم عليها الزوج، إذ قد يقصد مجرّد التنفيس عن غضبه، لا يدري أنّ الندم سوف يلازمه طويلًا.
وربّما لهذا السبب كان الصمت في بعض المواقف أكثر حكمةً من الكلام، لأنّ الكلمة إذا خرجت من الفم لم تعد ملكًا لصاحبها، بل أصبحت أثرًا قد يبقى في القلوب سنواتٍ طويلة. ويعدّ ضبط اللسان نوعًا من جهاد النفس، ودليلًا على رقيّ الإنسان لا على ضعفه، فليس القويّ من يملك القدرة على الكلام، بل من يملك القدرة على إمساك لسانه قبل أن تتفلّت الكلمات منه.
ومن أخطر ما نواجهه -في حياتنا اليوميّة- استعراض أنفسنا بالكلام، خاصّةً في المجالس وأثناء النقاشات، حين نحاول إظهار مهاراتنا الكلاميّة، غير مدركين أنّها من أكثر اللحظات خطورةً على اللسان؛ ففيها يضعف التروّي، وتتفلّت الكلمات دون حساب، فتترك آثارًا عميقةً في نفوس السامعين قد لا تُمحى بسهولة.
وقد سلِمَ من زلّات اللسان مَن تجنّب كثرة الجدال والاستعراض، وأراح لسانه، لأنّ الإنسان لا يندم -غالبًا- على صمته، بقدر ما يندم على كلمةٍ قالها في لحظة اندفاع. والحكمة الحقيقيّة ليست في القدرة على الكلام، بل في معرفة اللحظة التي ينبغي فيها للكلمات أنْ تبقى حبيسة الصدر.